الحداثة - مفهومها ـ نشأتها ـ روادها

أما الاصطلاح الثانی فهو modernism ویعنی مذهبا أدبیا ، بل نظریه فکریة لا تستهدف الحرکة الإبداعیة وحدها ، بل تدعو إلى التمرد على الواقع بکل جوانبه السیاسیة والاجتماعیة والاقتصادیة . . . وهو المصطلح الذی انتقل إلى أدبنا العربی الحدیث ، ولیس مصطلح modernity الذی یحسن أن نسمیه المعاصرة ، لأنه یعنی التجدید بوجه عام دون الارتباط بنظریة ترتبط بمفاهیم وفلسفات متداخلة متشابکة .

ونحن فی تعریفنا لمفهوم الحداثة لا نرید أن نتوقف عند ما قال به خصومها ، ولکن لا بد أن نتعرف علیه مما قال به أصحابها ومفکروها وسدنتها أیضا . یقول على أحمد سعید الملقب بأودنیس وهو من رواد الحداثة العربیة ومفکریها رابطا بینها وبین الحریة الماسونیة : " إن الإنسان حین یحرق المحرم یتساوى بالله " . ثم یتنامى المفهوم الماسونی لکلمة الحریة إلى صیغته التطبیقیة الکاملة فی قوله " : إن التساوی بالله یقود إلى نفیه وقتله ، فهذا التساوی یتضمن رفض العالم کما هو ، أو کما نظمه الله ن والرفض هنا یقف عند حدود هدمه ، ولا یتجاوزها إلى إعادة بنائه ، ومن هنا کان بناء عالم جدید یقتضی قتل الله نفسه مبدأ العالم القدیم ، وبتعبیر آخر لا یمکن الارتفاع إلى مستوى الله إلا بأن یهدم صورة العالم الراهن وقتل الله نفسه " محاضرة الحداثة والتراث د . محمد هدارة .

وقد عرف رولان بارت الحداثة بأنها انفجار معرفی لم یتوصل الإنسان المعاصر إلى السیطرة علیه فیقول : " فی الحداثة تنفجر الطاقات الکامنة ، وتتحرر شهوات الإبداع فی الثورة المعرفیة مولدة فی سرعة مذهلة ، وکثافة مدهشة أفکارا جدیدة ، وأشکالا غیر مألوفة ، وتکوینات غریبة ، وأقنعة عجیبة ، فیق بعض الناس منبهرا بها ، ویقف بعضهم الآخر خائفا منها ، هذا الطوفان المعرفی یولد خصوبة لا مثیل لها ، ولکنه یغرق أیضا " محاضرة الحداثة والتراث د . محمد هدارة .

ویتابع الدکتور هدارة قائلا : کما یصفها بعض الباحثین الغربیین " بأنها زلزلة حضاریة عنیفة ، وانقلاب ثقافی شامل ، وأنها جعلت الإنسان الغربی یشک فی حضارته بأکملها ، ویرفض حتى أرسخ معتقداته الموروثة " .

جذور الحداثة فی الغرب

ظهر تیار الحداثة فی الغرب نتیجة للمد الطبیعی الذی دخلته أوروبا منذ العصور الوثنیة فی العهدین الیونانی والرومانی ، امتدادا إلى عصر الظلمات ، مرورا بالعصور المتلاحقة التی تزاحمت بکل أنواع المذاهب الفکریة ، والفلسفات الوثنیة المتناقضة والمتلاحقة ، وقد کان کل مذهب عبارة عن ردة فعل لمذهب سابق ، وکل مذهب من هذه المذاهب کان یحمل فی ذاته عناصر اندثاره وفنائه .

لقد عشق الغرب شتى المذاهب والتیارات الفکریة بدءا من اعتناق الوثنیة ، وانتهاء بالانفجار الفکری الیائس الذی عرف بالحداثة ، مرورا بالمسیحیة وما ترتب علیها من مفاسد الکنیسة وظلمها وظلامها ، وبالطبیعة التی هجرها شعراؤها وکتابها لیعشقوا الواقعیة المزیفة التی ما لبثوا أن هجروها هربا إلى الکفر والإلحاد بالله کفرا صریحا جاهرا ، ثم تحولوا بکفرهم حاملینه من بعد یأس على کواهلهم باحثین عن الخلاص الذی ینتشلهم من غرقهم الإلحادی لیجدوا أنفسهم یغوصون فی وحول المادیة التاریخیة ، والجدلیة السفسطائیة ، غیر أنهم لم یجدوا ضالتهم فیما بحثوا عنه فارتدوا هاربین لیلقوا بأنفسهم فی أحضان الفن للفن ، ولکنهم لم تستقر لهم حال فتخبطوا خبط عشواء حتى استقر بهم السبیل إلى مهاوی الوجودیة التی کشفت عن کل شیء فجعلت الحریة فوضى ، والالتزام تفلتا ، والإیمان بالأشیاء کفرا " فلم یعد فی حیاة الغربی إلا أن تنفجر هذه المذاهب انفجارا رهیبا یحطم کل شیء ، یحطم کل قیمة ، لتعلن یأس الإنسان الغربی وفشله فی أن یجد أمنا أو أمانا " الحداثة من منظور إیمانی ص 17 . وقد جاءت الحداثة لتمثل هذا الانفجار الفکری الرهیب الیائس ، انفجار الإنسان الذی لا یعرف الأمن والأمان فی ذاته آلاف السنین .

وقد اختلف کثیر من الذین أرخوا ونظروا للحداثة الغربیة حول بدایاتها الأولى ، وعلى ید من من کتابهم ظهرت ونشأت ، ورغم ذلک یتفق بعضهم على أن إرهاصاتها المبکرة بدأت منذ أواخر القرن التاسع عشر المیلادی على یدی " بودلیر " الفرنسی صاحب دیوان " أزهار الشر " . ولکنها لم تنشأ من فراغ ، بل هی امتداد لإفرازات المذاهب والتیارات الفکریة ولاتجاهات الأدبیة والایدلوجیة المتعاقبة التی عاشتها أوروبا فی القرون الخوالی ، والتی قطعت فیها صلتها بالدین والکنیسة وتمردت علیه ، وقد ظهر ذلک جلیا منذ ما عرف بعصر النهضة فی القرن الخامس عشر المیلادی ، عندما انسلخ المجتمع الغربی عن الکنیسة وثار علی سلطاتها الروحیة ، التی کانت بالنسبة لهم کابوسا مخیفا ، وسیفا مسلطا على رقابهم محاربا لک دعوة للعلم الصحیح ، والاحترام لعقل الإنسان وتفکیره ، وفکره . وکان من الطبیعی أن نرى تخبط الغرب ، وتقلباته وثوراته على کل شیء من حوله ، ما دام لا توجد أرضیة صلبة مستویة ینطلق منها ، لتصور مقبول للحیاة والإنسان والکون عامة ولا توابث قویة لهم لتکون مرتکزا یتکئون علیه نحو تقدمهم المادی ، ورقیهم الفکری والحضاری ، مما أدى إلى ظهور کثیر من المتناقضات والتضاد ، وأن یهدموا الیوم بمعاول التمرد والثورة ما بنوه بالأمس ، إضافة إلى انعدام الروابط المتینة بین هذه الأفکار على اختلاف مشاربها وتباین اتجاهاتها سوى أنها تلتقی فی مستنقع المادیة الملحدة ، لذا نجدهم یتقلبون خلال المذاهب الفکریة والأدبیة التی ووسمتهم بخاتمها ، وطبعتهم بطابعها ، ولونتهم باتجاهاتها فتولدت عندهم الکلاسیکیة التی کانت امتدادا طبیعیا لنظریة المحاکاة والتقلید التی أطلقها أرسطو ، والتی تعنی أن الإنسان محدود الطاقات ، متمسک بأهداب التقلید ، مع المیل إلى التحفظ واللیاقة ، ومراعاة المقام ، والخیال المرکزی المجند فی خدمة الواقع .

تم تأسس الاتجاه الرومانسی على أنقاض الکلاسیکیة التی وقفت عاجزة أمام تحقیق ما کان یصبو إلیه الغرب من التخلص من آثار القدیم ومحاکاته ، فوجدوا ضالتهم فی مذهب توری متمرد على کل أشکال القدیم وآثاره ، فقدست الرومانسیة الذات ، ورفضت الواقع ، وثارت على الموروث ، وادعت أن الشرائع والعادات والتقالید هی التی أفسدت المجتمع ، ویجب العمل على تحطیمها ، والتخلص منها ، ولکن الأمر غیر المتوقع مع ما نادت به الرومانسیة ، وجاهدت من أجل تحقیقه أنها قد فشلت فشلا ذریعا فی تعییر الواقع ، فأوغل دعاتها فی الخیال والأحلام ، والتحلیق نحو المجهول .

وقد تحول الغرب کما هی طبیعته فرارا من المجهول إلى المجهول ، ومن الضلال إلى الضلال ، ومن اللاواقع إلى ما هو أبعد من اللاواقع وکان ذلک دیدنهم على مدى قرون طوال یبحثون عن لا شیء لعلهم یجدون ذواتهم الضائعة فی اتجاه جدید یخلصهم من معاناتهم وضیاعهم وتیه نفوسهم ، فاتجهوا نحو ما عرف بالبرناسیة ، ثم فروا منها لإلى ما عرف بالواقعیة التی تطورت فیما بعد إلى الرمزیة التی کانت حلقة الوصل بین تلک المذاهب الفکریة والأدبیة وبین ما عرف الیوم بالحداثة ، وعلاقتها بالجانب الأدبی على أقل تقدیر ، وکان على رأس المذهب الرمزی الکاتب والأدیب الأمریکی المشهور " إدغار آلان بو " الذی تأثر به رموز الحداثة وروادها فی العرب أمثال مالارامیه ، وفالیری ، وموبسان ، کما کان المؤثر الأول والمباشر فی فکر وشعر عمید الحداثیین فی الغرب والشرق على حد سواء الشاعر الفرنسی المشهور " بودلیر " کما ذکرنا آنفا .

وقد نادى إدغار بأن یکون الأدب کاشفا عن الجمال ، ولا علاقة له بالحق والأخلاق ، وهذا ما انعکس على حیاته بشکل عام ، حیث کان موزعا بین القمار والخمر والفشل الدراسی والعلاقات الفاسدة ، ومحاولة الانتحار . وعلى خطا إدغار سار تلمیذه بودلیر ممعنا فی الضلال ومجانبا للحق والفضیلة .

ویعد بودلیر مؤسس تیار الحداثة من الناحیة الفنیة الأدبیة ، والذی نادى بالغموض فی الأحاسیس والمشاعر ، والفکر والأخلاق ، کما قام المذهب الرمزی الذی أراده على تغییر وظیفة اللغة الوضعیة بإیجاد علاقات لغویة جدیدة تشیر إلى مواضع لم تعهدها من قبل . . . ویطمح أیضا إلى تغییر وظیفة الحواس عن طریق اللغة الشعریة ، لذا لا یستطیع القارئ ، أو السامع أن یجد المعنى الواضح المعهود فی الشعر الرمزی . کما یذکر د . عبد الحمید جیدة فی کتابه الاتجاهات الجدیدة فی الشعر العربی المعاصر ص 121 . ومما لا جدال فیه أن الحداثة کمذهب أدبی تجدیدی قامت فی أساسها الأول على الغموض وتغییر اللغة ، والتخلص من الموروث بکل أشکاله ، وأجناسه ، وتجاوزهم للسائد والنمطی .

وکان بودلیر الذی نمت وترعرعت على یدیه بذرة الحداثة من أسوأ ما عرفت الآداب العالمیة خلقا وإمعانا فی الرذیلة ، وممارسة لکل ما یتنافی مع الأخلاق والعقیدة . یقول عنه مصطفى السحرتی فی مقدمة ترجمة دیوان أزهار الشر لبودلیر " لقد کانت مراحل حیاته منذ الطفولة نموذجا للضیاع والشذوذ ، ثم بعد نیل الشهادة الثانویة قضى فترة فی الحی اللاتینی ، حیث عاش عیشة فسوق وانحلال ، وهناک أصیب بداء الزهری ، وعاش فی شبابه عیشة تبذل ، وعلاقات شاذة مع مومسات باریس ، ولاذ فی المرحلة الأخیرة من حیاته بالمخدرات والشراب " .

ویقول عنه الشاعر إبراهیم ناجی مترجم دیوان أزهار الشر " لإن بودلیر کان یحب تعذیب الآخرین ویتلذذ به ، وکان یعیش مصابا بمرض انفصام الشخصیة " .

ولم یکن الطعن على شخصیة بودلیر متوقفة على بعض الشعراء والنقاد العرب الذین عرفوه من خلال شعره ، وعایشوه فی مرحلة زمنیة معینة فی النصف الأول من القرن العشرین ، بل کان لأبناء جلدته أقوالا وآراء کثیرة حول هذه الشخصیة الحیة المیتة ، یقول عنه أحد کتاب الغرب : " إن بودلیر شیطان من طراز خاص " . ویقول عنه آخر : " إنک لا تشم فی شعره الأدب والفن ، وإنما تشم منه رائحة الأفیون " عوض القرنی : الحداثة فی میزان الإسلام ص 23 .

وقد عرف بودلیر إضافة إلى ما عرف عن شخصیته الذاتیة بنزعته المارکسیة الثوریة الفردیة التی لا تنسجم مع المثل والمبادئ التی ینادی بها عصره آنذاک . یقول عنه محمد برادة فی مجلة فصول العدد الثالث ص 13 ، 14 : " إن الخیبة التی انتهى إلیها بودلیر من مراهنته على حداثته ، لیس فقط أنه یعانی موت الجمال ویبکیه ، بل یعانی کذلک غیابا ، لا غیاب الله ، أو موته ، بل أکثر من ذلک ، فالحداثة تغلف ، وتقنّع غیاب البراکسیس وإخفاقه بمعناه المارکسی ، البارکسیسی الثوری الشامل ، وأنها تکشف هذا الغیاب ، وستکون الحداثة داخل المجتمع البرجوازی هی ظل الثورة الممکنة " . کما یقول عنه غالی شکری فی کتابه شعرنا الحدیث إلى أین ص 16 " وقدیما کان بودلیر نبیا للشعر الحدیث ، حیث تبلور إحساسه المفاجئ العلیل بحیاة فردیة لا تنسجم مع المثل الذی ینادی بها العصر الذی یعیش فیه " .

ثم أعقب بودلیر رائد من رواد الحداثة فی الغرب وهو رامبو الذی لا یقل شأنا عنه فی المناداة إلى الهدم العقلانی لکل الحواس ، وأشکال الحب والعذاب والجنون ، ودعا إلى أن یکون الشعر رؤیة ما لا یرى ، وسماع ما لا یسمع ، وفی رأیه أن الشاعر لا بد أن یتمرد على التراث ن وعلى الماضی ، ویقطع أی صلة مع المبادئ الأخلاقیة والدینیة ، وتمیز شعره بغموضه ، وتغییره لبنیة التراکیب ، والصیاغة اللغویة عما وضعت علیه ، وتمیز أیضا بالصور المتباعدة المتناقضة الممزقة کما یذکر د . عبد الحمید جیدة فی کتابه الاتجاهات الحدیثة فی الشعر العربی المعاصر ص 148 .

وقد تعاقب رکب الحداثیین فی الغرب ، وسلکوا نفس الطریق الذی بدأه بودلیر ، ورامبو ، وساروا على نهجهما ، ومن هؤلاء مالارمییه ، وبول فالیری ، حتى وصلت الحداثة الغربیة شکلها المتکامل النهائی على ید الأمریکی الیهودی عزرا باوند ، والإنجلیزی توماس الیوت .

وغدت الحداثة الغربیة سلسلة متصلة الحلقات یتناقلها اللاحقون عن السابقین ، وهی إلى جانب ذلک متصلة شدیدة الاتصال بما سبقها من وجودیة ورمزیة وسریالیة ومادیة جدلیة ومادیة تاریخیة وواقعیة واشتراکیة علمیة وبرناسیة ، ورومانسیة ، وبکثیر من الأفکار والمبادئ والتیارات التی کانت قاعدة لها ، ومنطلقا فکریا مدها بکل ما حملته تلک المذاهب من فکر وأیدلوجیات ، وتمرد على کل ما هو سائد وموروث ، وتجاوزت حدود الأدب واللغة لیطال الدین والأخلاق والقیم والعلم . فهی تحطیم للماضی والحاضر والمستقبل . وهکذا نمت الحداثة الغربیة وترعرعت فی أوحال الرذیلة ، ومستنقعات اللاأخلاق ، وأینعت ثمارها الخبیثة على أیدی الشیوعیین من أمثال نیرودا ، ولورکا ، وناظم حکمت ، وفتشنکو ، والوجودیین أمثال سارتر ، وسیمون دی بوفوار ، وألبیر کامو ، وآتت أکلها على أیدی الجیل المنظر والداعم لها والمحفز على السیر فی رکابها من أمثال ألوی أراجون ، وهنری لوفیفر ، وأوجین جراندال ، ورولان بارت ، ورومان یاکوبسون ، ولیفی شترواس ، وبیاجیه ، وغیرهم کثر .
الحداثة العربیة

تسللت الحداثة الغربیة إلى أدبنا ولغتنا العربیة وفکرنا ومعتقداتنا وأخلاقیاتنا کما تتسلل الأفعى الناعمة الملمس لتقتنص فریستها ، أن تشعر الفریسة بها إلا وهی جثة هامدة تزدردها رویدا رویدا ، هکذا کان تسلل الحداثة إلى عقول معتنقیها وروادها وسدنتها من أدباء ونقاد ومفکرین على امتداد الوطن العربی . وهی کغیرها من المذاهب الفکریة ، والتیارات الأدبیة التی سبقتها إلى البیئة العربیة کالبرناسة ، والواقعیة ، والرمزیة ، والرومانسیة ، والوجودیة ، وجدت لها فی فکرنا وأدبنا العربی تربة خصبة ، سرعان ما نمت وترعرعت على أیدی روادها العرب ، أمثال غالی شکری ، وکاهنها الأول والمنظر لها على أحمد سعید المعروف " بأدونیس " ، وزوجته خالدة سعید من سوریا ، وعبد الله العروی من المغرب ، وکمال أبو دیب من فلسطین ، وصلاح فضل ، وصلاح عبد الصبور من مصر ، وعبد الوهاب البیاتی من العراق ، وعبد العزیز المقالح من الیمن ، وحسین مروة من لبنان ، ومحمود درویش ، وسمیح القاسم من فلسطین ، ومحمد عفیفی مطر ، وأمل دنقل من مصر ، وعبد الله القذامی ، وسعید السریحی من السعودیة ، وغیرهم .

وقد أشار غالی شکری فی کتابه الشعر الحدیث إلى أین إلى الروافد التی غذت بذرة الحداثة العربیة فقال : " کانت هذه المجموعة من الکشوف تفصح عن نظرة تاریخیة تستضیء بالماضی لتفسر الحاضر ، وتنبئ بالمستقبل . فالمنهج الجدلی ، والمادیة التاریخیة یتعرفان على أصل المجتمع ، ثم یفسران أزمة العصر ، أو النظام الرأسمالی ، ثم یتنبآن بالمجتمع الاشتراکی الذی ینعدم فیه الصراع الطبقی " .

ویقول أدونیس فی کتابه التابث والمتحول کما ذکر الدکتور محمد هدارة فی مقال له نشر فی مجلة الحرس الوطنی السعودی : " لا یمکن أن تنهض الحیاة العربیة ، ویبدع الإنسان العربی إذا لم تنهدم البنیة التقلیدیة السائدة للفکر العربی ، ویتخلص من المبنى الدینی التقلیدی الاتباعی " . وهذه الدعوة الصریحة والخبیثة فی حد ذاتها دعوة جاهرة للثورة على الدین الإسلامی ، والقیم والأخلاق العربیة الإسلامیة ، والتخلص منها ، والقضاء علیها .

ثم یقول أدونیس أیضا فی مقابلة أجرتها معه مجلة فکر وفن عام 1987 م : " إن القرآن هو خلاصة ثقافة لثقافات قدیمة ظهرت قبله . . . وأنا أتبنى التمییز بین الشریعة والحقیقة ، إن الشریعة هی التی تتناول شؤون الظاهر ، والحقیقة هی التی یعبرون عنها بالخفی ، والمجهول ، والباطن ، ولذلک فإن اهتمامی بالمجهول ربما یأتی ، ویتغیر باستمرار ، وهذا ما یتناقض مع الدین " .

مما سبق یتضح أن رواد الحداثة لم یکونوا دعاة للتجدید بمفهومه المتعارف علیه فی اللغة ولا یعنی بالأدب والشعر کما یدعون ، وإنما هم دعاة للهدم والتخریب ، کما یعلنون عن ذلک صراحة فی کتبهم النقدیة ودواوینهم الشعریة ومؤلفاتهم بشکل عام . فقد ضل کثیر منهم یخلط بین الحداثة کمنهج فکری ، یدعو إلى الثورة والتمرد على الموروث والسائد والنمطی بأنواعه المختلفة عقیدا ولغة وأدبا وأخلاقا ، وبین المعاصرة والتجدید الذی یدعو إلى تطویر ما هو موجود من میراث أدبی ولغوی ، والإضافة علیه بما یواکب العصر ، ویتواءم مع التطور ، منطلقا من ذلک الإرث الذی لا یمکن تجاوزه بحال من الأحوال ، فهو عنوان الأمة ، ورمز حضارتها ، والأمة التی لا موروث لها لا حضارة لها ، وجدیدها زائف ممجوج .

وقد تسللت الحداثة الغربیة إلى فکرنا العربی فی غفلة دینیة لدى الکثیرین من المثقفین العرب المسلمین ، وإن کان القلة منهم هم الذین تنبهوا لهذا الخطر الداهم للغتهم وعقیدتهم وأدبهم على حد سواء ، فحاولوا التصدی لها بشتى الطرق والوسائل المتاحة والممکنة ، ولکن سدنتها کانوا أسرع إلى التحایل على الجهلة وأنصاف المثقفین ممن یدعون أنهم منفتحون على الفکر الغربی وثقافته ، ولا بد أن یواکبوا هذا التطور ویتعاملوا معه بما یقتضیه الواقع ، وإن کان واقعا مزیفا لا یخطف بریقه إلا عقول الجهلاء والأتباع . فأخذ دعاتها على عواتقهم تمریر هذه البدعة الجدیدة ، وجاهدوا فی الوصول إلى أغراضهم الزائفة حتى استطاعوا أن یقنعوا الکثیرین بها باعتبارها دعوة إلى التجدید والمعاصرة تهدف إلى الانتقال بالأدب العربی المتوارث نقلة نوعیة جدیدة تخلصه مما علق به من سمات الجمود والتخلف لیواکب التطور الحضاری الذی یفرضه واقع العصر الذی نعیشه ، والذی تفرضه سنن الحیاة . لذلک نجد أدونیس یقول فی کتابه الثابت والمتحول ج 3 ص 9 : " ومبدأ الحداثة هو الصراع القائم بین السلفیة والرغبة العاملة لتغییر هذا النظام ن وقد تأسس هذا الصراع فی أثناء العهدین الأموی والعباسی ، حیث نرى تیارین للحداثة : الأول سیاسی فکری ، ویتمثل من جهة فی الحرکات الثوریة ضد النظام القائم ، بدءا من الخوارج ، وانتهاء بثورة الزنج ، مرورا بالقرامطة ، والحرکات الثوریة المتطرفة ، ویتمثل من جهة ثانیة فی الاعتزال والعقلانیة الإلحادیة وفی الصوفیة على الأخص " .

ثم یواصل أدونیس حدیثة قائلا : " هکذا تولدت الحداثة تاریخیا من التفاعل والتصادم بین موقفین وعقلیتین فی مناخ تغیر ، ونشأت ظروف وأوضاع جدیدة ، ومن هنا وصف عدد من مؤسسی الحداثة الشعریة بالخروج " المرجع السابق ج3 ص11 .

ویعتبر أدونیس المنظر الفکری للحداثیین العرب الذی أخذ على عاتقه نبش کتب التراث لیستخرج منها کل شاذ ومنحرف من الشعراء والأدباء والمفکرین من أمثال بشار بن برد وأبی نواس ، لأن فی شعرهم کثیر من المروق على الإسلام ، والتشکیک فی العقائد ، والسخریة منها ، والدعوة للانحلال الجنسی کما یذکر عوض القرنی فی کتابه الحداثة فی میزان الإسلام ص 28 . ویواصل القرنی حدیثه : " وهکذا بعد أن حاول الحداثیون العرب أن یوجدوا لهم جذورا تاریخیة عند فساق وزنادقة ، وملاحدة العرب فی الجاهلیة والإسلام ، انطلقت سفینتهم غیر الموفقة فی العصر الحدیث تنتقل من طور إلى آخر متجاوزة کل شیء إلى ما هو أسوء منه ، فکان أول ملامح انطلاقتهم الحدیثة هو استبعاد الدین تماما من معاییرهم وموازینهم بل مصادرهم ، إلا أن یکون ضمن ما یسمونه بالخرافة ، أو الأسطورة ، ویستشهد على صحة قوله بما نقله عن الکاتبة الحداثیة خالد سعید فی مجلة فصول بعنوان الملامح الفکریة للحداثة حیث تقول : " إن التوجهات الأساسیة لمفکری العشرینات تقدم خطوطا عریضة تسمح بالمقول إن البدایة الحقیقیة للحداثة من حیث هی حرکة فکریة شاملة ، قد انطلقت یوم ذاک ، فقد مثل فکر الرواد الأوائل قطیعة مع المرجعیة الدینیة والتراثیة کمعیار ومصدر وحید للحقیقة ، وأقام مرجعین بدیلین : العقل والواقع التاریخی ، وکلاهما إنسانی ، ومن ثم تطوری ، فالحقیقة عن رائد کجبران ، أو طه حسین لا تلمس بالعقل ، بل تلمس بالاستبصار عند جبران ، والبحث المنهجی العقلانی عند طه حسین " الحداثة فی میزان الإسلام ص 29 ، 30 عوض القرنی .

ومن دعاة الحداثة العربیة ـ وهم کثر ـ نذکر منهم على سبیل المثال ، علی أحمد سعید " أدونیس " وزوجته خالد سعید، وعبد الله العروی ، وکمال أبودیب ، وصلاح فضل، وصلاح عبد الصبور ، وعبد العزیز المقالح، وحسین مروة، ومحمد عفیفی مطر ، وأمل دنقل وعبد الوهاب البیاتی، ومحمود درویش ، وسمیح القاسم ، وعبد الله الغذامی ، وسعید السریحی ، وعبد الصیخان ، ومحمد التبیتی ، وأحمد نائل فقیه من المملکة العربیة الس
عودیة

/ 0 نظر / 37 بازدید