ظاهرة النحت فی اللغة العربیة

هل النحت ظاهرة قیاسیة؟
یعتقد الدکتور إبراهیم نجا فی کتابه فقه اللغة العربیة: " أن هذه الظاهرة سماعیة و لیس له قاعدة یسیر وفقها القائلون إلاّ فی النسبة للمرکب الإضافی. فقد قال العلماء إنه مبنیّ على ترکیب کلمة من اللفظین على وزن " فعلل" بأخذ الفاء والعین من کلّ لفظ ثم ینسب للفظ الجدید کعبشمیّ فی عبد شمس، وعبد ریّ فی عبد الدار، وتیملیّ فی تیم اللاّت. وفی غیر ذلک مبنى على السّماع والأخذ عن العرب" (ص 56). غیر أنّ بعض الباحثین المتأخرین فهموا نصّ ابن فارس: "… وهذا مذهبنا فی أن الأشیاء الزائدة على ثلاثة أحرف فأکثرها منحوت" (الصاحبی، ص271)، فهموه فهماً مختلفاً بحیث استنتج بعضهم من هذا النص أنّ ابن فارس یرى أنّ النحت قیاسی.
یقول الدکتور إبراهیم أنیس: " ومع وفرة ما روی من أمثلة النحت تحرج معظم اللّغویین فی شأنه و اعتبروه من السّماع، فلم یبیحوا لنا نحن المولدین أن ننهج نهجه أو أن ننسج على منواله. مع هذا، فقد اعتبره ابن فارس قیاسیا، وعده ابن مالک فی کتابه التسهیل قیاسیّا کذلک"(من أسرار اللغة، د. إبراهیم أنیس، ص72).
یقول ابن مالک فی التسهیل: قد یُبْنَى من جُزأی المرکب " فَعْلَلَ " بفاء کل منهما وعینه، فإن اعتلّت عین الثانی کمل البناء بلامه أو بلام الأول و نسب إلیه.
وقال أبو حیّان فی شرحه: وهذا الحکم لا یطّرد؛ إنّما یقال منه ما قالته العرب، والمحفوظ عَبْشمیّ فی عبد شمس، وعبد ریّ فی عبد الدار، ومرقسىّ فی امرئ القیس، وعَبْقَسَىّ فی عبد القیس، و تیملیّ فی تیم الله (لاحظ المزهر للسیوطی، 485 / 1).
و لکنّ لجنة النحت بمجمع اللغة العربیة فی القاهرة علّقت على هذا الاختلاف بالقول: "… وقد نقلنا فیما تقدّم عبارة ابن فارس فی فقه اللغة، وهی لا تفید القیاسیة إلاّ إذا نظر إلى أنّ ابن فارس ادعى أکثریة النحت فیما زاد عن ثلاثة، ومع الکثرة تصحّ القیاسیة والاتساع " (لاحظ مجلة المجمع: 7/202، 203. أیضا راجع النحت فی اللغة العربیة، د. نهاد الموسى، ص284 وما بعدها).
وهکذا یظلّ النحت بین قیاس وسماع بین اللغویین، و لکن مجمع اللغة العربیة وقف من ظاهرة النحت موقف المتردّد فی قبول قیاسیته حتى تجدد البحث أخیراً حول إباحته أو منعه، فرأى رجال الطبّ والصیدلة والعلوم الکیماویة والحیوانیة والنباتیة فی إباحته وسیلة من خیر الوسائل التی تساعدهم عند ترجمة المصطلحات الأجنبیة إلى اللغة العربیة (اللغة والنحو، عباس حسن، ص 245، دار المعارف بمصر1966).
ومن هنا؛ انتهى مجمع اللغة العربیة بالقاهرة إلى قرار سنة 1948م حیث أفاد: " جواز النّحت فی العلوم والفنون للحاجة الملحّة إلى التعبیر عن معانیها بألفاظ عربیّة موجزة"(مجلة المجمع 7/203). ولکن بشرط انسجام الحروف عند تألیفها فی الکلمة المنحوتة، وتنـزیل هذه الکلمة على أحکام العربیة، وصیاغتها على وزن من أوزانها.
وبتحقیق هذه الشروط یکون النّحت - کجمیع أنواع الاشتقاق- وسیلة رائعة لتنمیة هذه اللغة وتجدید أسالیبها فی التعبیر والبیان من غیر تحیّف لطبیعتها، أو عدوان على نسیجها المحکم المتین(دراسات فی فقه اللغة، د. صبحی الصالح، ص 274).
أقسام النحت

قبل أن ندخل فی بحث أقسام النحت، حری بنا أن نذکر أن هناک تأویلات ألفاظ قائمة على وجوه التفکه حیث نستطیع أن نحملها على النحت. و ذلک کالذی أورده الجاحظ (المتوفى 255هـ) عن أبی عبد الرحمن الثوری، إذ قال لابنه: " بنی! إنما صار تأویل الدرهم، دار الهمّ، وتأویل الدینار، یدنی إلى النار"( البخلاء، تحقیق طه الحاجری، ص 106، دار المعارف بمصر، 1958م). ومنه: " کان عبد الأعلى إذا قیل له: لم سمّی الکلب سلوقیا؟ قال: لأنه یستل ویلقى، وإذا قیل له: لم سمّی العصفور عصفوراً؟ قال: لأنه عصى و فرّ ".

کما یقول ابن فارس فی کتابه الصاحبی: " العرب تنحت من کلمتین کلمة واحدة، وهو جنس من الاختصار … وهذا مذهبنا فی أن الأشیاء الزائدة على ثلاثة أحرف فأکثرها منحوت. مثل قول العرب للرجل الشدید " ضِبَطْر" من ضَبَطَ و ضَبَرَ"( ص271). قام المتأخرون من علماء اللغة من خلال استقرائهم للأمثلة التی أوردها الخلیل بن أحمد و ابن فارس بتقسیم النّحت إلى أقسام عدّة، یمکن أن حصرها کما یلی:
* النحت الفعلی: وهو أن تنحت من الجملة فعلاً، یدل على النطق بها، أو على حدوث مضمونها، مثل:

جعفد من: جعلت فداک. بسمل من: بسم الله الرحمن الرحیم * النحت الاسمی: و هو أن تنحت من کلمتین اسما. مثل: جلمود من: جمد و جلد. حَبْقُر للبرد، و أصله: حَبُّ و قُرّ.
 * النحت الوصفی: وهو أن تنحت کلمة واحدة من کلمتین، تدل على صفة بمعناها أو بأشدّ منه، مثل: ضِبَطْر للرجل الشدید، مأخوذة من ضَبَط و ضَبَر. الصّلدم وهو الشدید الحافر، مأخوذة من الصلد والصدم.
النحت التخفیفی

مثل بلحارث فی بنی الحارث، وبلخزرج فی بنی الخزرج وذلک لقرب مخرجی النون واللاّم، فلما لم یمکنهم الإدغام لسکون اللاّم حذفوا. وکذلک یفعلون بکلّ قبیلة تظهر فیها لام المعرفة، فأمّا إذا لم تظهر اللاّم فلا یکون ذلک، مثل: بنى الصیداء، وبنى الضباب، وبنى النجار(اقتباس من: فقه اللغة، د. إبراهیم أبو سکین، ص 23(.
* النحت النسبی: وهو أن تنسب شیئاً أو شخصاً إلى بلدتین. مثل: طبرخزیّ: أی منسوب إلى المدینتین (طبرستان) و (خوارزم) تنحت من اسمیهما اسماً واحداً على صیغة اسم المنسوب.

شفعنتی یقال فی النسبة إلى " الشافعی و أبی حفیفة ". حنفلتی یقال فی النسبة إلى " أبی حنیفة و المعتزلة ".
 * النحت الحرفی: مثل قول بعض النحویین، إنّ (لکنّ) منحوتة، فقد رأى الفراء أنّ أصلها (لکن أنّ) طرحت الهمزة للتخفیف و نون (لکن) للساکنین. ذهب غیره من الکوفیین إلى أنّ أصلها (لا) و(أن) والکاف الزائدة لا التشبیهیّة، وحذفت الهمزة تخفیفا (لاحظ النحت بین مؤیدیه ومعارضیه، د. فارس البطاینة، ص 122نقلا عن کتاب شرح المفصّل لابن یعیش).
وهنا نأتی بنماذج من المصطلحات و الکلمات المنحوتة ذکرناها على سبیل التمثیل لا الحصر رجاء بأنه یفید الطلاب و القارئین و المهتمین به و لیزیدوا لإکماله. أَزَنیّ: فی الرمح المنسوب إلى ذی یَزَن.

إِمّعَیّ: النسبة إلى إمّع و هو من قول إنّی معک (للذم، إذ أنّ الإمعة هو الذی لا رأْی له ولا عَزْم فهو یتابع کل أَحد على رأْیِه ولا یثبت على شیء).

البَرِیدَال: من البرید الإلکترونی و هی تعریب کلمة." E-mail" الأغْلِرضَانیَّة: کرة أرضیة من الأغِلفَة و الأرْضانیة بترودلار: منحوت من البترول و الدولار. البرمائی: منحوت من البرّ و الماء. * البرمائیّات. کل حیوان یعیش فی البر و الماء.

     
    بسملَ: قال بسم الله الرحمن الرحیم و مأخوذ من بسم الله الرحمن الرحیم.
    بلعنبر: منحوت من بنی العنبر.
    التکبیر: قول الله أکبر.
    التنظطبیعی: نظام بیئی من التناظمُ و الطبیعة.
    جعفدَ: قال جعلت فداک.
    حسبلَ: قال حسبی الله.
    حَلْمَأ: مِن حلّ بالماء.
    حمدل: قال الحمد لله.
    حنفلتیّ: النسبة إلى أبی حنیفة مع المعتزلة.
    حوقل: قال لا حول ولا قوة إلا بالله و مأخوذ من هذه العبارة.
    الحیزمن: منحوت من الحیّز و الزمان.
    حیعلَ أو حوعلَ: قال حی على الصلاة.
    - زاد الثعالبی فی فقه اللغة:
    الحَیْعَلَة (حکایة) قول المؤذن: حیّ على الصلاة، حیّ على الفلاح.
    حیفل: قال حی على الفلاح.
    الحینـَبات: منحوت من الحیوان و النبات.
    دمعزَ: قال أدام الله عزک.
    الرأسمال: منحوت من الرأس و المال.
    - الدول الرأسمالیّة.
    الرکمجة: منحوت من الرکوب و الموج.
    الزمکان: منحوت من الزمان و المکان.
    سبحلَ: قال سبحان الله و منها مأخوذة.
    السّرنمة: منحوت من السیر و النوم.
    * و کذلک مثله " السّرمنة " منحوت من السیر و المنام.
    سمعلَ: قال السلام علیکم.
    شفعنتیّ: ینسب إلى الشافعی مع أبی حنیفة.
    شقحطب: منحوت من شقّ و حَطَب.
    الشَنکبُوتِیة: من الشبکة العنکبوتیة و هی تعریب کلمة " " Internet.
    صهْصلقَ: من صهل و صلق.
    الضبْخن: منحوت من الضباب و الدخان.
    طلبقَ: قال أطال الله بقاءک.

عبدریّ: نسبة إلى عبد الدار.
عبشمی: من عبد شمس و نسبة إلیها.
عبقسیّ: نسبة إلى عبد القیس.

* فی الصحاح : یقال فی النسبة إلى عبد شَمس: عَبْشَمیّ و إلى عبد الدار عَبْدَریّ و إلى عبد القیس عَبْقسیّ یُؤْخَذ من الأول حرفان و من الثانی حرفان ویقال: تعَبْشَم الرجلُ: إذا تعلَّق بسبب من أسباب عبد شمس إما بحلْف أو جوار أو وَلاَء و تَعَبْقس إذا تعلّق بعبد القیس. قال: وأما عَبْشَمس بنُ زید مناةَ بن تمیم فإن أبا عمرو بن العلاء یقول: أصله عَبُّ شمسٍ أو حبُّ شمس وهو ضوؤها والعین مبدلة من الحاء کما قالوا: حَبْقُرّ فی عَبُّ قُرٍّ وهو البَرد. و قال أبو حیّان فی شرحه: وهذا الحکم لا یطّرد إنما یقال منه ما قالته العرب والمحفوظ عَبْشمیّ فی عبد شمس وعَبْدریّ فی عبد الدار و مرقسیّ لغة فی امرىء القیس وعَبْقسیّ لغة فی عبد القیس و تیملی فی النسبة إلى تیم اللَّه.

العَجَمْضى: ضرب من التمر. من عجم وهو النّوى وضَاجم واد معروف.
 وفی الجمهرة: العَجَمْضى و ذلک ضرب من التمر وهما اسمان جُعلا اسماً واحداً: عجم وهو النّوى وضَاجم واد معروف.

    العمطبیعة: منحوت من العوامل و الطبیعة.
    غِبُّلوغ: منحوت من الغِبّ و البلوغ.
    الفذلکة: من فذلک کذا و کذا.
    قبتاریخ: منحوت من قبل التاریخ.
    القروسطى: منحوت من القرون و الوسطى.
    الکثاسَکَن: من الکثافة و السکان أی: کثافة سکانیة.
    کهرضوئی: من کهرباء وضوء.
    الکهرطیسی: منحوت من الکهرباء و المغنطیس.
    
کهرمائیّ: منحوت من الکهرباء و الماء.
    مدرحی أو مدرحیة: منحوت من المادة و الروح.
    مشأل: قال ما شاء الله. 
فلان کثیر المشألة إذا أکثر من هذه الکلمة.
    المصطلاجدة: من المصادرالطبیعیة و اللامتجددة.
    معْتَوطن: نوع مستوطن من مستوطن و وباء
    النظجفة: منحوت من النظافة و الجفاف.
    النَّفْسَجِسْمی: منحوت من النفس و الجسم.
    هلـّل: قال لا إله إلا الله.

إذن النحت الطریقة التی یتم فیها جمع کلمتین أو أکثر باختیار أجزاء مناسبة من الکلمات المتعددة و المختلفة، لتعطی کلمة واحدة فی النهایة. هذه العملیة تستعمل بکثرة فی اللغات الأجنبیة، و بالخصوص الإنکلیزیة، و لکن قلّما یلجأ إلیها فی العربیة. و کما نلاحظ، فاللغة العربیة عبارة عن کائن حی یؤثر و یتأثر بالمحیط الخارجی، و هذه الظاهرة سوف تستمر ما دام هنالک أناس یستعملونها. و لکن الشیء الذی یصعب فهمه فی هذا العصر، لماذا أصابها نوع من العقم رغم الطرق العدیدة فی تکوین المصطلحات بالمقارنة مع اللغات الأخرى؟

على کل حال، عالج الباحثون هذا الموضوع بما فیه الکفایة فی أبحاث متعددة. و تکفینا هذه المجموعة لرسم صورة عامة عن النحت فی اللغة العربیة؛ إذ النماذج التمثیلیة کثیرة فی کتب اللغة. و ذکرناها على سبیل التمثیل لا الحصر. (للمزید من المعلومات راجع الاشتقاق والتعریب، للأستاذ عبد القادر المغربی، النحت بین مؤیدیه ومعارضیه للدکتور فارس فندى البطاینة، الاشتقاق للدکتور فؤاد ترزی، دراسات فی فقه اللغة للدکتور صبحی الصالح، فقه اللغة للدکتور إبراهیـم أبـو سکین، الاشتقاق عند اللغویین للدکتورفتحی الدّابولی، ابن فارس، معجم مقاییس اللغة، تحقیق: عبد السلام هارون، السیوطی، المزهر فی علوم اللغة وأنواعها، شرحه و ضبطه محمد أحمد جاد المولى وآ
خرون و فقه اللغة العربیة وخصائصها للدکتور إمیل بدیع یعقوب).

 

/ 0 نظر / 92 بازدید