المرأة فی أدب نجیب محفوظ

صورة المرأة تعد مرآة تعکس قیم وثقافة المجتمع الذی تنتمی إلیه، وقد یعکس النتاج الأدبی للمجتمع الوضع الصحیح للمرأة داخله، وقد یعکس صورة مشوهة، فإذا نظرنا لبعض الأعمال الأدبیة فإننا نجد تشویها متعمدا لصورة المرأة فی المجتمع العربی، فهناک بعض الأدباء یجنحون بالمرأة فی أعمالهم لیعکسوا صورة مغلوطة أو تحمل جانبا واحدا من وضعیة المرأة داخل مجتمعها لیعمم هذا الجانب السیئ على جمیع نساء المجتمع.

وإذا نظرنا للأدباء الذین نقلوا صورة مشوهة للمرأة فی المجتمع المصری نجد "نجیب محفوظ" متصدرا هؤلاء، فقد اتخذ محفوظ من عالم المرأة إطارا لمناقشة قضایا ذات أبعاد عدة ووظفها بصورة سیئة؛ فصورها فتاة لیل وصورها بالعاهرة وصورها أیضا بالعاشقة.أما صورة المرأة المکافحة العفیفة، والفلاحة المصریة المجاهدة لم تجد لها مکانا فی روایات نجیب محفوظ، رغم أن نجیب محفوظ ـ فی کل أعماله ـ شکلت المرأة جانبا مهما، حیث یظهر شغفه الهائل بعالمها وما یکتنفها من غموض وأسرار وما یحیط بها من محاذیر، واقتحم نجیب محفوظ هذا العالم لیقدم تأریخا لعالم المرأة بکل عنفها وصخبها وضجیجها وإحجامها ومراوغتها.

لقد قدم نجیب محفوظ المرأة على أنها سلبیة خنوع خائفة متداعیة سلیطة اللسان سیئة الخلق ساقطة، سواء بإرادتها أو بإرادة الآخرین ومن خلال أعمال نجیب الروائیة سنقدم بعض شخصیات روایاته النسائیة التی استخدمها فی هذه الأعمال وکیف کان یوظف صورة المرأة فی أعماله، على العکس لم یقدم نجیب محفوظ المرأة على أنها السیدة المکافحة التی تقوم على تربیة الأبناء أو الواقفة بجوار زوجها، لکنه استخدمها فی أسوأ صورة، وما یأتی من أمثال یوضح ذلک. القاهرة الجدیدة

ففی روایة "القاهرة الجدیدة" توجد شخصیة "إحسان شحاته" وقد وظفها نجیب محفوظ فی هذا العمل على أنها طالبة معهد التربیة، شدیدة الفقر، تعیش فی أسرة مثقلة بأعباء الحیاة، ولکنها تشعر بقوة جمالها کما تشعر بقسوة فقرها، وفی غمار هذه المشاعر المتضاربة تسقط إحسان صریعة لمجتمع لا یعترف إلا بالثروة والنفوذ، تسوده المحسوبیة والانتهازیة وتحکمه البراجماتیة القاسیة، مجتمع لا یعترف بحق الحیاة الکریمة لأفراده، ولم لا وهو مقطع الأوصال بین فساد سیاسی تحکمه الأهواء والمصالح وظلم اقتصادی یظهر فی سوء توزیع الثروة؟ وبین هذا وذاک تلعب إحسان دورها ببراعة فی مسرحیة عبثیة هزلیة مأساویة، فی الوقت ذاته یخرج فیها جمیع الممثلین عن النص ثم یسقطون جمیعا صرعى فی مشهد النهایة. زقاق المدق

وفی روایة "زقاق المدق" یأتی نجیب محفوظ بشخصیة "حمیدة" وهی فتاة جملیة تعیش بین شخصیات زقاق المدق الذی تصفه فی النهایة بأنه زقاق العدم، وحمیدة کما یصورها "نجیب محفوظ" فی الروایة هی شخصیة شدیدة الطموح شدیدة الطمع، عیونها الجمیلة تتطلع إلى ما هو أبعد من عالم الزقاق وقلبها یخفق لمرأى البنات الجمیلات وهن یرفلن فی ملابسهن الجمیلة، فلا تملک إلا أن تقول ما قیمة الدنیا بدون الملابس الجدیدة، حمیدة متمردة شغوف بأن تعیش حیاة أخرى فی عالم آخر ولم تکن الظروف تعمل لصالحها دائما حینما قذفت بنفسها إلى قلب المدینة الصاخبة وهی تعیش فی أجواء الحرب العالمیة الثانیة، وکانت الحرب بآثارها المادیة والاجتماعیة هی التی دفعت بحمیدة إلى الانحراف کما یذکر نجیب محفوظ متناسیا أن الدین والقیم یجب أن تصون الأعراض وتحفظ المرأة من الوقوع فی براثن الخطیئة.

نأتی إلى ثلاثیة نجیب محفوظ وهی ملیئة بالشخصیات النسائیة المتحررة، وهذا واضح فی شخصیة "سوسن حماد" زوجة الحفید "أحمد عبد المنعم" فی روایة "السمان والخریف" توجد شخصیة "ریری" وهی نموذج فرید للفتاة المنحرفة التی تخرج لیلا ولا تعود إلا فی الفجر، وأصبحت ماعونا ملوثا لکل من هب ودب، ثم تقرر العودة للأخلاق.

وحول هذه الشخصیة تقول الدکتورة "نعمات أحمد فؤاد"ـ فی مقال لها نشرته صحیفة "الأهرام" القاهریة ـ إن نجیب محفوظ کثیرا ما قدم نماذج سیئة للمرأة لکنه قرر بعد ذلک أن یتصالح مع المرأة ویقدم نموذجا للکبریاء المتسامح والقدرة على الصمود أمام الإغراء والزهد فی الإثم الذی ذاقت هوانه وتعاسته وذلک فی روایة الثلاثیة. البدایة والنهایة

أما شخصیة "نفیسة" فی روایة "بدایة ونهایة"فیصورها نجیب محفوظ على أنها ساقطة یائسة، ویعلل ذلک بفقرها وجهلها ودمامتها، وهی شابة فی مقتبل العمر، یمتلئ جسدها بالحیویة والرغبة فی الحیاة، ولکن وجهها الدمیم یخذلها وجهلها یقودها مغمضة العینین إلى مصیرها المحتوم وفقرها لا یترک لها أملا فی الزواج، لقد تحالف علیها ما یدمر حیاة أی فتاة، ولو کانت نفیسة غنیة لربما وجدت من یتغاضى عن دمامتها ویتناسى قبحها، وربما وجدت من یغفر زلتها ویعفو عن خطیئتها فالشرف قید لا یغل إلا أعناق الفقراء وحدهم، نفیسة أقرب ما تکون إلى ملامح البطل التراجیدی الذی تضعه الحیاة فی مأزق، وقد زلت قدم نفیسة فماتت مرتین، یوم أن استسلمت لضعفها ویأسها ویوم أن قفزت إلى أعماق النیل بلا رجعة.

فی روایة "میرامار" نجد شخصیة "زهرة"ابنة الریف الفلاحة الجمیلة التی هربت من قریتها لتعمل خادمة فی "بنسیون" میرامار بالإسکندریة یطمع فیها جمیع نزلاء البنسیون.

هذه کلها نماذج توضح أن عالم المرأة لدى نجیب محفوظ هو من أسوأ الشخصیات، وقد اتخذ نجیب محفوظ هذه الشخصیات الساقطة عن عمد، ولم یفسر لنا ما المقصود باختیاره لهذا السقوط حیث جعل المرأة تسبح فی عالم الرذیلة دون رادع من قیم أو دین أو أخلاق، متجاهلا نماذج مشرفة یذخر بها المجتمع المصری، وبذلک ظلم نجیب محفوظ المرأة عشرات المرات فی أدبه

/ 0 نظر / 28 بازدید