أدب نسائی فی عالم عربی

یضمر "النسائی" فی الخطاب الأدبی العربی معنى الدفاع عن الـأنا الأنثویة, بما هی ذات لها هویتها المجتمعیة والانسانیة. ومن موقع الندیة, یواجه "النسائی", لا الرجل بصفته الانسانیة, بل آخر هو, تاریخیاً, قامع ومتسلّط.

ففی روایة "أنا أحیا" (1956) للیلى بعلبکی (لبنانیة) تتمرد لینا, بطلة الروایة, على الرجل بصفته فی مواقع السلطة فی المجتمع (أب, ورئیس شرکة, واستاذ جامعی, وحزبی) ویمارس, من هذه المواقع قمعه علیها. لینا, ومن خلفها المؤلفة الضمنیة, ضد هذا القمع ولیست ضد رجل تودّ, کما تقول, ان تشبک بذراعه ذراعها. وفی "حجر الضحک" (1990) لهدى برکات (لبنانیة) یحیل خلیل, بطل الروایة, عنف الحرب الاهلیة فی لبنان, على وعی ثقافی - اجتماعی, ولیس على تکوین فیزیولوجی - جینی. ذلک ان خلیل, وبأثر من هذا الوعی السائد, یرفض الجینات الانثویة فیه النازعة به الى الهدوء والسلام لینخرط فی ممارسة العنف الذکوری. لم تکتب المرأة ضد الرجل الانسان حین تناولت فی کتاباتها الابداعیة العلاقة بین الأنوثة والذکورة, بل کتبت ضد ایدیولوجیا السلطة الذکوریة, وضد وعی ذکوری سائد غیر مدرک, شأن سامح, بطل روایة "باب الساحة" (1990) لسحر خلیفة (فلسطینیة) بأن التحرر لا یتحقق لمجتمع یعاقب المرأة حیث یسامح الرجل. تکتب المرأة لتعبر عن سبل تستعید بها الانثى ثقتها بذاتها المفقودة, فتحکی لنا مدى, بطلة روایة "شجرة الحب غابة الاحزان" (2000) لأسیمة درویش (سعودیة من أصل سوری), عن غربتها فی وطنها الذی یتسید فیه الرجل, وعن استعادتها لذاتها فی بلاد الغربة التی وفّرت لها العلم والحب والحریة. یُفصح ما تکتبه المرأة عن قدراتها الابداعیة فی مواجهة ما لحق بها من ظلم على مدى تاریخ طویل: فتواجه عالیه ممدوح (روائیة عراقیة) ظلم الرجل بمنح النساء حیزاً واسعاً من عوالم روایاتها: ففی "الولع" (1995), کما فی "المحبوبات" (2003) تنسج الشخصیات النسائیة عالماً رحباً قوامه الالفة بینهن, وسمته التعالی على الألم, بحیث تبدو النساء مشفقات على الرجل, هازئات, بکبریاء, من ظلم یبدو فیه التاریخ اکثر ذکوریة من الرجل نفسه.

یسعى خطاب العلاقة الضدیة بین الانوثة والذکورة, فی ادب المرأة العربیة - ای خطاب الضدیة التی لها معنى القرین - الى تثمین الانوثة بإضاءة دلالاه المرتبطة بالهویة واللغة والحیاة.

هکذا, فلئن کان الشعر ینسب, غالباً, الى ضمیر الأنا, وبالتالی یمکننا اعتبار ما تکتبه المرأة من شعر هو, وفی شکل عام, تثمین لأنوثتها, فإننا, وبالنظر فی ما تکتبه سرداً, نعثر على أعمال تستهدف, دون غیرها, مثل هذا التثمین. ففی روایة "شجرة الفهود" (2002) لسمیحة خریس (أردنیة) تبدو الذات الانثویة (شخصیة فریدة الرامز اسمها الى فرادتها) هی الوریث لسلالة الفهود. فهی, فریدة, التی تحمل البذرة, وهی التی - بحسب منظور الروایة - تجسد الانتماء وتکفل دیمومة الهویة. وتنیط علویة صبح (لبنانیة) عودة المنطوق الحی الى السرد الروائی العربی بالانثى, مریم, بطلة روایتها التی تحمل اسمها "مریم الحکایا" (2002). کذلک تنیط بهذه الانثى نمطاً حکائیاً یتوالد شأن الکلان فی توالده على لسان ربّته التراثیة شهرزاد.

وفی "غرناطة" (1994), و"مریمة والرحیل" (1995) لرضوى عاشور (مصریة), تبرز الانثى بصفتها حافظة للغة العربیة ولتراثها الذی أحرق. قد یکون علی, ومن منطلق منهجی, ان افترض امکان اعتبار ما سبق وذکرته من أمثلة, أدباً نسائیاً, وذلک - وخلافاً لما ذهبت الیه - على اساس من هذه العلاقة نفسها بین الذکورة والانوثة, ومن هذا التثمین نفسه. لذا أجدنی معنیة بالاشارة الى بعض ما قدمته المرأة من اعمال أدبیة, بخاصة فی مرحلة الریادة, ومما هو لا ینبنی على اساس من هذه العلاقة, او من هذا التثمین, ومع هذا یوضع تحت یافطة "الأدب النسائی": فروایة "حسن العواقب" (1899) لزینب فواز (1846-1914), مثلاً, تنبنی على اساس من الصراع بین الامراء الاقطاعیین على السلطة, ولیس على اساس من علاقة بین الأنوثة والذکــورة.

کذلک تترکز الحکایة فی روایة "قلب الرجل" (1904) للبیبة هاشم (1882-1952) على ما جرّته احداث سنة 1860, او النکبة بحسب تعبیر الروایة, من ویلات على اللبنانیین, ذکوراً وإناثاً, وذلک على حد انتماءاتهم الطائفیة. ومع تقدم کتابة المرأة الروائیة تبرز روایة "الباب المفتوح" (1960) للطیفة الزیات (مصریة) کعلامة على علاقة وثیقة بین ما هو ذاتی, او أنا أنثوی, وما هو مجتمعی تحرری مشترک.

کما تبرز, فی ما بعد, روایة "ذاکرة الجسد" (1993) لأحلام مستغانمی (جزائریة) التی تتمارى فیها المرأة بالوطن, ویبرز العشق وثیق الصلة بالشهداء الذین یخلصون ویضحون من اجل أوطانهم, فی مقابل الذین یبیعون بالمال هذه الاوطان. کما تستوقفنا, فی هذا الصدد, روایات وقصص عدة منها: روایة "مراتیج" (1985) لعروسیة النالوتی (تونسیة) التی تقدّم صورة جیل یعیش قلق الاسئلة الصعبة. وروایة "الاقلاع عکس الزمن" (1980) لإمیلی نصرالله (لبنانیة) التی تحکی عن الحرب والغربة والتعلق بالجذور.

وروایة "لیل نهار" (1997) لسلوى بکر (مصریة), وروایة "بیروت 2002" (2003) لرینیه الحایک (لبنانیة). ومجموعة غادة السمان (سوریة) القصصیة, "رحیل المرافئ القدیمة" (1973), ومجموعة هادیا السعید (لبنانیة) القصصیة "رحیل" (1989). ففی هذه الاعمال السردیة یمتزج الخاص بالعام, ویتداخل الذاتی والاجتماعی على نحو فنی یدعو الى نسبتها الى الابداع اکثر مما یحمل على نسبتها الى أدب نسائی.

ویبدو الذهاب فی هذا الاتجاه - ای نسبة أدب المرأة العربیة الى الابداع - اکثر إلحاحاً مع انخراط انتاجها فی ما یمکن تسمیته: "مشروع الروایة العربیة". ففی اطار هذا المشروع مارست المرأة الروائیة التجریب, وتوسلت عناصر من التاریخ مضمِرة سؤالاً حول معنى الحقیقة وعلاقة المتخیل الروائی بالسرد التاریخی, کما تجاوزت القواعد التقلیدیة وداخلت بین الشهادة والوثیقة والرسالة منوعة فی السرد وأسالیبه, شأن رضوى عاشور (مصریة) فی روایتها "قطعة من أوروبا" (2003). وشأن نجوى برکات (لبنانیة) فی عودتها الى التراث فی روایتها "لغة السر" (2004) وطرح أسئلتها المضمرة على المقدّس فی رموزه اللغویة. وشأن رجاء عالم (سعودیة) فی روایتها "سیدی وحدانه" (1998) التی تستعید فیها فصاحة العرب وتحیی ثراء لغتهم.

لقد قدمت المرأة العربیة الکاتبة أنماطاً من البناء تحدثن بها السرد العربی على خلفیة منظور فکری یقول بالاختلاف على أساس التعدد والتنوع, ولیس على أساس من معاییر قیمیة تضم الانوثة ضد الذکورة او دونها. فقدمت می التلمسانی (مصریة) فی روایتها "دنیا زاد" (1997) بناء فنیاً یجاور بین صوتین سردیین (الأم والأب) یشترکان فی مشاعر الفقدان. وقدمت نجوى برکات فی روایتها "باص الأوادم" (1996) بناء تمیز بمونتاج سینمائی وبطابع حرکی بصری, وبشخصیات تنوعت سلوکاتها على اساس انتماءاتها الاجتماعیة لا الذکوریة او الانثویة. وکما فی تحدیث السرد, ساهمت المرأة, بصفتها شاعرة, فی تحدیث القصیدة العربیة شأن نازک الملائکة التی کان لها, بقدر ما کان للشاعر بدر شاکر السیاب, فضل الریادة فی نقل القصیدة العربیة من شعریة الوزن والقافیة الى شعریة التفعیلة والایقاع.

وعندما نتکلم عن الشعریة - شعریة الشعر وشعریة السرد - ت Poژtique, فإننا نتکلم على أدب یتطور بتغیر قواعد تخصه ولا علاقة لها بذکورة او أنوثة.

ان الثورات الادبیة التحدیثیة التی کان یمارسها الخطاب الادبی العربی, کانت ثورات معنیة بعلاقة هذا الخطاب بالحیاة, وبرؤیة الکاتب / الکاتبة الذی یعیش فیه, کما کان یشترط کسر تقالید البنى الأدبیة وقواعدها, ویستدعی تجدید اللغة, وتفکیک تراکیبها البلاغیة الجامدة. وهو ما کان یمارسه المبدع / المبدعة, بغض النظر عن جنسه.

وبالنظر الى الاجناس الأدبیة, فقد یعلل البعض إقبال المرأة على النثر وسردیاته, او على النثر الشعری اکثر من إقبالها على القصیدة العمودیة, بالأنوثة: فالأنوثة, کما یقال, کلام شفوی یحکی, والذکورة عقل یفکر ویکتب.

ولکن بالعودة الى الواقع والتاریخ, ندرک أن قلة عدد الشاعرات, بخاصة فی مرحلة سیادة القصیدة العمودیة وکثرة الشعراء, یرجع الى حرمان المرأة من التعلیم, کما ان استمرار عدم اقبال المرأة على قول الشعر العمودی, او کتابته, حتى بعد ان ارتادت المدرسة, فی الأربعینات والخمسینات من القرن العشرین - فترة ازدهار الشعر وبروز الشعراء الرومنطیقیین - یجد سببه فی نظام تعلیمی لا یدرس عروض الشعر وبحوره وما یتعلق بقواعده الشعریة الجمالیة فی مدارس البنات, ولا یجد سببه فی أنوثة المرأة او فی طبیعتها الانثویة.

وعلیه, فإن وردة الیازجی (1838-1924), وزینب فواز, وعائشة تیمور (1840-1904), وفدوى طوقان (1917-2004), لسن, بصفتهن شاعرات, استثناء یثبت القاعدة التی تربط بین الانوثة والکلام, بل یشرن بأنسابهن المعروفة, الى نخب عائلیة, او الى بیوت علم, وفّرت لبناتها العلم فی خدورهن وأعانت مواهبهن الشعریة على النضج والظهور.

/ 0 نظر / 25 بازدید