نزعة الحریة عند شعراء العراق المحدثین

[!کلا ولکن قد أخطأ التفسیر!] والشاعر معروف الرصافی کان فی شعره کما کان فی حیاته مثلا للاستبسال فی الدفاع عن الحریة ضد القهر السیاسی والفکری وقد أعطى بحیاته المستقیمة وخصاصته المثل للمثقف الذی یأبى أن یبتذل عرضه لقاء أی عرض من أعراض الدنیا وهو القائل:

کتبت لنفسی عهد تحریرها شعرا

[!وأشهدت فیما کتبت لهــــا الدهـرا!] ومن بعد إتمــامی کتـــــابة عهدها

[!جــعلت الثریا فوق عنوانه طغرا!] وعـــلقته کیــــلا تنــــالـــه یـــــــد

[!بمنبعث الأنوار من ذروة الشعرى!]

وقد خاطب الحریة أجمل خطاب:

أحریتی إننی اتخــذتــــک قبــلة

[!أوجـــه وجهی کل یوم لها عشرا!] وأمســــک الــــــرکن مستســلما

[!وفی رکنها استبدلت بالحجر الحجرا!] إذا کـــنت فی قفر تخذتک مؤنسا

[!وإن کنت فی لیل جعلتک لی بدرا!] وإن لامنی خطب ضممتک لاثما

[!فقبلت منک الصدر والنحر والثغرا!] وإن لامنی قوم علیک فإننی

[!لملتمس للقوم من جهلهم عذرا!] واقرأ هذه الأبیات وقدر ما فی نفس الشاعر من غضب إنها صرخة فی وجه الاستبداد الذی عاث فی البلد فسادا ودجن الناس ونهب أرزاقهم وکمم أفواههم ولقد حالت الکلمات هنا حمما ناریة تسفع الجلود وتلهب النفوس وتحرض الناس على الثورة لقاء حریتهم المهضومة:

أما أسد یحمی البلاد غضنفر

[!فقد عاث فیها بالمظالم سیدها؟!] عجبت لقوم یخضعون لدولة

[!یسوسهم بالموبقات عمیدها!] وأعجب من ذا أنهم یرهبونها

[!وأموالهم منها ومنهم جنودها!!] ولقد جر التحمس للعقل والإیمان بالفکر الحر الشاعر أحمد الصافی النجفی إلى الإقبال على کل فکر والاغتراف من کل نبع والأکل من کل مائدة فکریة ذلک أن القهر الفکری الذی عاناه أسلافه والسیاج الدوغمائی الذی أجبروا على الإقامة داخله قرونا قد عفن نفوسهم وأصاب بالبلى عقولهم وبالصدأ قلوبهم فلیتشف الشاعر من ذلک القهر بالإقبال على الأفکار الجدیدة والعقائد الوافدة یحتضنها وینزلها من نفسه منزلة الحقائق حتى إذا شک عقله فیها اطرحها وطلب غیرها وکأنه نحلة حوامة تطیر من روض إلى روض وتشرب الرحیق من کل زهرة ولو أدى ذلک إلى عذاب الشک وجحیم التناقض ولکن لا بأس فالحریة أغلى مکسب:

تناقضت الأفکار عندی کأنما

[!أنا جمع أشخاص وما أنا واحد!] أرى کل فکر حل عقلی بوقته

[!صحیحا وفکر وقته مر فاسد!] فکم ذرة تفنى وتولد ذرة

[!بجسمی کما تحیا وتفنى العقائد!] فلی کل حین مأتم وولادة

[!وشخصی مولود وشخصی والد!]

ولا نعجب إذا رأینا شاعرا کبیرا بحجم بدر شاکر السیاب یتبنى الشیوعیة مسفها أحیانا الأدیان ثائرا فی وجه الحاکم، ناقما على الظروف قهرها وجبرها، فقد کانت تلک الثورة بحثا عن الحریة فی الأساس، فالفقر والخصاصة قید یغل الإنسان ویرهن حریته وربما اضطره إلى ابتذال کرامته وشرفه لقاء لقمة یتبلغ بها،لقد کانت یساریتة کما کانت یساریة غیره المتطرفة ثأرا من الظروف وتندیدا بهذا القهر التاریخی الذی یحد من الحریة بل یشظیها، حتى إذا اکتشف الشاعر أن الشیوعیة ذاتها لا تخلو من عیوب وأنها قهر آخر یمارسه الحزب عبر قادته وأمنائه، طلقها الشاعر إیثارا لمرونته الفکریة وتعطشه للحریة الإنسانیة التی ظل یحلم بها ویبحث عنها کما ظل أورفیوس یبحث عن زوجته فی عالم الموتى.

ولیس أدل على نزوع شعراء العراق منزع الحریة وإیثار المرونة الفکریة وحریة المناورة من إحداثهم تلک الثورة فی الشعر الحدیث فقد ظل الشعر إلى الأربعینات من القرن الماضی شعرا کلاسیکیا فی ملمحه العام یسیر على طریق القدماء ویسلک طریق المتنبی وأبی تمام والبحتری فی توخی الألفاظ الفخمة والمدویة واقتناص الحکم والتشبیهات البدیعة والاستعارات غیر المسبوقة، ذلک ما عهدناه فی شعر البارودی وشوقی وحافظ، غیر أن شعراء العراق واستجابة لنداء المغامرة ودعوة الحریة فی أنفسهم وهی دعوة فطریة کامنة فیها، ضاربة بجذورها فی غور التاریخ وبتأثیر من الثقافة الغربیة التی تشجع على الحریة وتعضدها خالفوا المسلک المألوف وتبنوا شعرا جدیدا یستجیب لروح العصر وثقافته وسواء أذهبنا مذهب من یضع السیاب رائد لهذا الشعر بعد صدور قصیدته "هل کان حبا" أو ذهبنا مذهب من یقدم علیه نازک الملائکة بصدور قصیدتها "الکولیرا" فکلا الشاعرین من العراق یؤکدان ما زعمناه من نزعة التمرد والثورة الکامنتین فی أنفسهم وهو نفس النهج الذی سار فیه شعراء العراق الآخرون کعبد الوهاب البیاتی ثم مظفر النواب من بعده.

وهی الحرکة الشعریة التی أتت أکلها فتجدد وجه شعرنا لیصبح شابا طافحا بالقوة والمناعة مستجیبا لروح العصر وفلسفته متخلیا عن طرائق الماضی وأشکاله التعبیریة شکلا ومضمونا وکانت تلک الثورة المستجیبة لنداء عمیق فی النفس العراقیة هو نداء الحریة سببا قویا فی استجابة شعراء العالم العربی لهذه الحرکة فما هی إلا سنوات قلائل حتى صار شعر التفعیلة حدثا فکریا وفنیا وجمالیا مشمخر الصروح وطید الأرکان، غالب على أمره له شعراؤه الکبار فی العالم العربی کمحمود درویش وسمیح القاسم وأمل نقل وصلاح عبد الصبور وأحمد عبد المعطی حجازی وأدونیس ونزار قبانی وغیرهم.

وإنه لیحز فی النفس ما آل إلیه العراق الیوم عراق البابلیین وحدائقهم المعلقة وعراق الرشید والأمین والمأمون ودار الحکمة وعراق " أرض السواد" والرافدین وکان بود کل عربی أن یظل العراق فی طلیعة البلدان العربیة حرکة فکریة وشعریة وعلمیة واصلا الحاضر الزاهر بالماضی التلید لولا نکد السیاسة وتآمر المطامع الإمبریالیة على حاضر ومستقبل هذا البلد الذی نأمل لها أن تقبر فی هذا البلد الکریم، بفضل وحدة ووعی ونضال الشعب العراقی الذی سیعید وجه دار السلام الخالد الخلاق والمتألق کما عهدناه بالأمس القریب والبعید.

 

/ 0 نظر / 29 بازدید