شعرنا بین مد التجدید وجزر التقلی

والشعر إذا تخلى عن جوهره وسایر مجالا غیر مجاله فقد صفة الشاعریة وتحول إلى نظم وقل مثل هذا عن الشعر الأخلاقی والوعظی المباشر ودیوان الشافعی ولامیة ابن الوردی خیر مثال على هذا.

والشعر موسیقی فی الصمیم فهو على حد تعریف القدماء له الکلام الجمیل الموزون المقفى، وقد حافظ الشعر العربی على نسقه العمودی أحقابا طویلة، واقتضت ضرورة الحیاة وتطوراتها وتباین البیئة من إحداث تجدید فیه دون التخلی عن الأوزان الخلیلیة وأفضل مثال على ذلک الموشحات الأندلسیة واستعمال الأبحر المجزوءة واستحداث التغییر فی بحر بعینه کمخلع البسیط وقد نظم علیة ابن الرومی هجائیته المشهورة:

وجهک یاعمرو فیه طول

وفی وجوه الکلاب طول

ولکن فی العصر الحدیث ونتیجة لاحتکاک الشعراء بالثقافة الغربیة الوافدة وبتأثیر من الشاعر الإنجلیزی توماس إلیوت، ثار لفیف من الشعراء العرب على عمود الشعر، ذلک أنهم رأوا فیه إکراهات وقیود تعیق حریة الشاعر ولعل أهمها تبعیة الشاعر للغة قصد الاستجابة لدواعی الوزن، وعلى الرغم من أن هؤلاء الشعراء بإمکانهم تنویع القافیة کسرا لهذا الغل، إلا أن هذه الحریة فی معتقدهم لا تشفی الغلیل ، فالشعر تیار نفسی مسکون بالرغائب والهواجس والانفعالات مسکوب فی قوالب لفظیة ودرجة الانفعال وحدته هی التی تتحکم فی طول وقصر البیت وهو مایسمونه بالسطر ولقد کان السیاب ونازک الملائکة والبیاتی وصلاح عبد الصبور وخلیل حاوی وأمل دنقل ونزار قبانی خیر من یمثل هذه الحرکة التجدیدیة ، التی لاقت معارضة شرسة من قبل المحافظین على عمود الشعر ولعل أبرز المعارضین العقاد ، وله فی ذلک حجة ذکیة تستحق النظر وفحواها أن الشعر حرکة ومناورة فی فن محکوم بالقیود (الوزن والقافیة) والشاعر الحقیقی هو الذی یتحرک بخفة ورشاقة دون أن تحد تلک القیود من مرونة حرکته، فهو یعبر عن رغائبه وبنات أفکاره ومشاعره أتم تعبیر وأکمل تصویر وکأن تلک القیود غیر موجودة أصلا وله فی ذلک قصیدة طریفة بعنوان " حانوت القیود"

لا ریب أن العقاد قد غالى فی حملته على الشعر الجدید، وقد جانب الصواب حین أحاله على لجنة النثر للاختصاص، فالبحورالشعریة وشکل القصیدة العربیة المتوارثة لیست وحیا منزلا وما على الخلف إلا الاتباع، فلأبناء هذا العصر ثقافتهم وظروف حیاة تختلف عن حیاة آبائهم وعالم یعیشون فیه یمتلأ حرکة ونموا ومرونة فمن السخف غض النظر عن کل هذه الأشیاء والرکون إلى میراث الأجداد لاستهلاکه دون أن یضیف إلیه الأبناء شیئا جدیدا.

إن فی الشعر الحدیث إنجازات شعریة کبیرة هی ترجمان الشاعر والعصر على السواء وهی قصائد تستحق البقاء حتى وإن کانت الذاکرة قد ألفت حفظ الشعر العمودی وتردید حکم المتنبی وغزلیات امرىء القیس وخمریات الأعشى ومواجد ابن الفارض .

وإن القارىء الحصیف الحی الضمیر ، المرهف الاحساس ، الغنی العقل لیجد فی قصائد من مثل

" دار جدی " و " أنشودة المطر " للسیاب و "الظل والصلیب" لصلاح عبد الصبور ، الفن الکبیر الذی یغذی العقل والوجدان على السواء

و لا أدل على ذلک من هذا المقطع لخلیل حاوی من دیوان " نهر الرماد " :

خـلــنی للبحــــر للریــــــــــح لموت

ینشـــــر الأکـفـان زرقــــــا للغریـق

مبحـر ماتت بعینیه منارات الطریق

مات ذاک الضـوء فی عینیـه مـــات

لا البطولات تنجـیـه و لاذل الصلاة !

فهو مقطع قد تکاثفت فیه الروح الشعریة ، وتعددت فیه صور الضیاع ومشاعر الکآبة و الانسحــاق ، وموسیقاه مناسبة تماما لهذا الغرض أی الأزمة الوجودیة الخانقة التی یحیاها الشاعر .

والشاعر یعتمد تکرار ( فاعلاتن ) من بحر الرمل فی کل سطر حسب حاجته النفسیة:

فاعلاتـــن فاعلاتــــن فعلاتـــن

فاعلاتــــن فاعلاتـــن فاعـلـــن

فاعلاتن فاعلاتـــن فعلاتـــن فاعلن

فاعلاتــــن فاعلاتـــن فاعـلـــن

فاعلاتــــن فعلاتـــن فعلاتـــن فاعـلـــن

فمن غیر المقبول اعتبار هذا الإبداع الشعری المحکم البنیان ،الغنی بالصورالشعریة ،والطاقة الشعوریة المتدفقة من وجدان الشاعرمحالا على لجنة النثر للاختصاص.

وأزمة الشعر الحدیث فی رأینا تأتی من کون الجیل اللاحق لجیل الکبار ( السیاب، الملائکة ،البیاتی، دنقل، عبد الصبور) لم تستقم له الملکة الشعریة ولاتهیأت له أسباب السیطرة على اللغة العربیة ولاتعمق فی دراسة الشعر العربی الکلاسیکی ، ولاتمرس بدراسة المذاهب والنظریات النقدیة الغربیة والشرقیة على السواء، ناهیک عن الجهل التام بالعروض وقواعده والقافیة وأصولها، وأغلبهم یعجز عن إنشاء قصیدة عمودیة، ولذا تراه تحت دعاوى التجدید والحداثة ومابعد الحداثة یحاول إخفاء عورته والتستر على فقره بهذه الرطانات التی یسمیها صاحبها شعرا حدیثا وفی الواقع هی مؤشر الأنیمیا الشعریة والسقوط الفاضح.

ومانحسب أن هؤلاء الکبار الذین أشرنا إلیهم کانوا یعجزون عن النظم حسب أصول القصیدة العمودیة، وللملائکة والسیاب بل ولعبد الصبور قصائد عمودیة، تدل على تمکن هؤلاء الشعراء من القصیدة العمودیة، ولکنها الروح التجدیدیة الوثابة هی التی حدت بهؤلاء الکبار إلى إنتاج شعری جدید شکلا ومضمونا

http://aladab.mihanblog.com/post/archive/1388/12

/ 0 نظر / 22 بازدید