ابراهیم ناجی

مما سبق فإن ناجی مر بظروف صعبة فی حیاته وتخلى عنه الأقارب والأحباب فی أحیان کثیرة.. ولکن کانت أول تجربة تعمق نظرته البائسة للحیاة هی محبته أیام الدراسة الثانویة لفتاة کانت زمیلته وتعلقه بها حتى أنها حینما تزوجت بغیره تهدمت مشاعره وکتب أکثر قصائده شهرة عن نظرته لهذه التجربة مصوراً أن ما بقی من الشاعر مجرد أطلال لروحه ولکنه عاد فی نهایة القصیدة یستسلم للقدر ، وحملت القصیدة عنوان "الأطلال" وتقع فی أکثر من مائة وثلاثین بیتاً فی شکل مقاطع، یتألف کل مقطع من أربعة أبیات، أکثر المقاطع منظومة على الرمل، وقد غنت أم کلثوم مقاطع منها مع بعض التعدیل فی الألفاظ وضم مقاطع من قصیدة أخرى عنوانها "الوداع". یا فؤادی لا تسل أین الهوى کان صرحاً من خیال فهوى وکان یشعر دوما بنوع من الفراق عن الأحباب وکتب یقول : سألتک یا صخرة الملتقى متى یجمع الدهر ما فرقا إذا نشر الغرب أثوابه وأطلق فی النفس ما أطلقا أریک مشیب الفؤاد الشهید والشیب ما کلل المفرقا وبحسب الناقد أحمد زیاد المحبک " یعبر إبراهیم ناجی فی معظم شعره عن نزوع فردی رومانسی حزین، فشعره ذاتی، یکاد یکون خالصاً للحب والوجدان، بل للقهر والحرمان، فهو یعبر عن حب محروم، ویصدر عن رؤیة متشائمة، ونظرة حزینة، وروح مکتئبة". فی قصیدته أنوار المدینة یقول ضحکت لعینی المصابیح التی تعلو رؤوس النیل کالتیجان ورأیت أنوار المدینة بعدما طال المسیر وکلت القدمان وحسبت أن طاب القرار لمتعب فی ظل تحنان ورکن آمان فإذا المدینة کالضباب تبخرت وتکشفت لی عن کذوب امانی قدر جرى لم یجر فی الحسبان لا أنت ظالمة ولا انا جانی أما عضو الهیئة العلمیة بجامعة الإمام صادق الإیرانیة رقیة رستم بور فتعلق على التشاؤم فی شعر ناجی بقولها: "عاش الشاعر فی القرن العشرین وظل متشائما بکل مظاهر الحیاة فهو یتشاءم بالدنیا وما فیها وبالحب والهوى حینا آخر ومرجع ذلک یبدو إلى أن الشاعر الرومانسی یجد سعادته فی ظلال الحب باعتباره عاطفة یمکنها أن تضم الکون بأسره ولذا فهو دائما أبدا حزینا یبحث عن عالم المثل الذی ینشده" . نستمع له حزینا یقول: إنی امرؤ عشت زما نی حائرا معذبا أمشی بمصباحی وحی داً فی الریاح متعب أمشی به وزیته کاد به ان ینضبا عشت زمانی لا أرى لخافقی متقلبا غیر أنه وجد للشاعر العدید من الأبیات المتفائلة نوعاً بالطبیعة على وجه الخصوص مثل قصیدته الربیع والتی یخاطبه فیها بقوله: مرحى ومرحى یا ربیع العام أشرق فدتک مشارق الأیام بعد الشتاء وبعد طول عبوسه أرنا بشاشة ثغرک البسام وابعث لنا أرج النسیم معطراً متخطراً کخواطر الأحلام وغیرها قصیدة لإبنیه عماد وأمیرة: یا ابنتی إنی لأشعر أنی ملأت مهجتی شموس منیرة أشرقت فرحتان عندی فهذی لعماد وهذه لأمیرة أنتما فرقدان ، وهو جدید بالذی ناله وأنت جدیرة اغنما کل ما یطیب وفوزا بالمسرات والأمانی الوفیرة وافرحا بالذی یطیب ویرجى عیشة نضرة وعین قریرة الإنتاج الشعری وهجوم طه حسین والعقاد :

کان أوّل ما صدر لإبراهیم ناجی هو دیوان (وراء الغمام) الذی نشرته له جماعة أبولو عام 1934، ویغلب علیه الحزن والتعبیر عن الحب المحروم، ویضم بعض القصائد المترجمة، وقُوبل هذا الدیوان بهجومٍ قاسٍ من النقّاد, ولاسیّما طه حسین وعباس العقاد، فقد نقده طه حسین نقداً مرّاً فی کتابه "حدیث الأربعاء" واصفاً شعره بأنّه ذو جناحٍ ضعیفٍ لا یقدر على التحلیق وفضل علیه الشاعر علی محمود طه الذی وصفه بأنه مهیأ لیکون جبّاراً فی فنّه، أمّا العقاد فکان أکثر حدّة وعُنْفاً, فوصف شعر ناجی بالتصنع والمرض بل لم یکتف بهذا الوصف فاتّهم ناجی بسرقة شعر ولعلّ هذا النقد القاسی الذی تعرّض له ناجی والذی کاد بسببه أن یهجر الشعر کان سبباً رئیسیاً فی قلّة الدواوین الشعریّة التی أصدرها فی حیاته, إذ لم یصدرْ له سوى دیوانٌ واحد بعد ذلک وهو دیوان "لیالی القاهرة" الذی صدر عام 1943، ویقصد بلیالی القاهرة لیالی الحرب العالمیة الثانیة، التی نشبت أواخر عام 1939 وهو یعبر فیها عن کراهیته للحرب التی حرمته من سهر اللیالی ونشرت له دار المعارف بعد وفاته دیوانه الثالث: (الطائر الجریح) عام 1957، وفی سنة 1960 أصدرت وزارة الثقافة المصریّة "دیوان ناجی" وهو دیوان "شامل" ضمّ دواوین ناجی الثلاثة بالإضافة إلى بعض القصائد المتناثرة التی لم تَرِد فی أیٍّ من الدواوین السابقة. وقد قام بجمعه کلٌّ من الدکتور أحمد هیکل ، أستاذ الأدب العربی بکلیة دار العلوم وقتها، والشاعرین; أحمد رامی وصالح جودت بالإضافة إلى شقیق الشاعر, محمد ناجی. ثم أصدرت دار العودة فی بیروت عام 1986 دیوان إبراهیم ناجی، وقد ضم دواوینه الثلاثة، وبرغم الإنتاج الشعری القلیل للشاعر مقارنة بمعاصریه، إلا أنه لم یکتف بالشعر فقط، فقد کانت له نشاطات فی الترجمة، حیث قام ناجی بترجمة بعض الأشعار عن الفرنسیة لبودلیر تحت عنوان (أزهار الشر)، وترجم عن الإنجلیزیة روایة (الجریمة والعقاب) لدیستوفسکی، وعن الإیطالیة روایة (الموت فی إجازة)، کما نشر دراسة عن شکسبیر، وقام بإصدار مجلة حکیم البیت ، وألّف بعض الکتب الأدبیة مثل مدینة الأحلام وعالم الأسرة وغیرهما. لقد کان ناجی دائما محل انتقاد من آراء تعیب علیه قلة روح الإیمان والاعتماد على الله للعیش مطمئن النفس بدلاً من الشعور بالملل من الحیاة والأحیاء، وقد تمیز الشاعر فی رأی البعض بالنزعة الروحیة الأشبه بالصوفیة وتبرز فی کثیر من التعبیرات التی استخدمها مثل (جعلت النسیم زادا لروحی)(أسکر نفسی)(صحا القلب منها). أما الشاعر نفسه فقد هجا کثیراً أولئک الذین یکلفون القراء الاطلاع على أشعارهم الضعیفة ممن یصفهم بعدم الموهبة ویقول فی قصیدة له مخاطبا شاعر من ذاک النوع: أیها الحی وما ضر الورى لو کنت متا أو شعر ذاک لا بل حجر ینحت نحتا تلقم الناس وترمیهم به فوقا وتحتا ناجی متهم بضعف الوطنیة عاب الکثیر من النقاد على ابراهیم ناجی أنه کان منصب ترکیزه على الشعر العاطفی الرومانسی وقصائد الهجر هی أغلب ما ترکه للأجیال ، غیر أن هناک رأی آخر یرى أن الشاعر من جهة لم تجمع کل قصائده فإنتاجه الحقیقی أکبر من الدواوین القلیلة المجمعة ولم یکن یهتم بحفظ شعره الذی ألقاه فی العدید من المناسبات والدلیل على هذا کشف الأستاذ حسن توفیق للعدید من القصائد المجهولة للشاعر بإصدار الأعمال الشعریة الکاملة ، ومن جهة أخرى فهناک العدید من القصائد التی تبرهن على حبه لأمته العربیة ، ومن الفریق الأول الدکتور والأدیب محمد مندور بقوله "قد أوشک معظم شعره أن یصبح قصیدة غرام متصلةٍ وإن تعدّدت أحداثها وتنوّعت أنغامها"، ومن الفریق الثانی الدکتور طه وادی الذی رأى بأن قصیدة "لیالی القاهرة" نوعٍ الغَزِل العجیب لحبٍّ آخر وحبیبةٍ أخرى, وأنّه غزلٌ فی حبّ مصر, وحسرةٌ على ما أُصیبتْ به من عدم القدرة على قهر أعدائها، کذا الأستاذ الناقد مصطفى یعقوب عبد النبی والذی برر الأمر بکثرة القصائد المجهولة لناجی. ومنها قصیدة بعنوان "المجد الحی" ضمن کتاب "أدب العروبة" الذی أصدرته جماعة أدباء العروبة وهی جماعة أدبیة ترأسها الوزیر الأدیب إبراهیم الدسوقی أباظة ومنها یا أمّة نبتتْ فیها البطولاتُ لا مصر هانت ولا الأبطال ماتوا ویدل أیضا على ذلک قصیدته المنشورة ضمن "المجلّة الطبیة المصریة" عام 1937 ضمن رصد وقائع المؤتمر الطبّی التاسع الذی حضره عددٌ من الوفود الطبیّة العربیّة ومنهم إبراهیم ناجی قال فیها: یا شاعرَ الوادی وغرّید الرّبى قُلْ للضیوفِ تحیّةً وسلاما مصرالعریقُ وفادُها حفَظْتُ لکُم َهْداً على طُول المَدى وزِمَاما لستُمْ بها غُرَباءَ, أَنْتُمْ أَهْلُها أَنّى حَللَتُم تَنّزِلُون کِراما

ومنها أیضا: الشّرْقُ مَهْدٌ للنبوغِ ومَوْلدٌ للمجْدِ فیه رَبَا وشَبّ غُلاما زَکَت النبوّة فی حِمَاهُ ورعْرعتْ وتألّقت کالفرقدیّنِ نِظَاما مُوسى الذی شَقّ العُبابَ وفجّر الصخّر العنیدَ سواکباً تترامى عیسى الذی فدّى الوجودَ وعلم الغفّران والإحسانَ والإکراما ومحمّدٌ یَکْفیکَ أنّ محمّداَ بیّن البریّةِ أَوْجَدَ الإسلاما هذا هو الشّرْقُ العظیم لم یَزَلْ نوراً لمن رَام الهدى وإماما ومن قصیدة بعنوان مصر یفتتحها بقوله: أجل إن ذا یوم لمن یفتدی مصرا فمصر هی المحراب والجنة الکبرى أجل عن ماء النیل قد مر طعمه تناوشه الفتاک لم یدعو شبرا فهلا وقفتم دونها تمنحوها أکفاً کماء المزن تمطر خیرا سلاما شباب النیل فی کل موقف على الدهر یجنی المجد أو یجلب الفخرا تعالوا فقد حانت أمور عظیمة فلا کان منا غافل یصم العصرا شباب نزلنا حومة المجد کلنا ومن یغتدی للنصر ینتزع النصرا أعلام الأدب العربی فی شعر ناجی : أحب الشاعر إبراهیم ناجی الکثیر من الرفقاء من أعلام الأدب العربی ومنهم الأدیب السوری الراحل سامی الکیالی والذی قال فیه یا أیها الضیف العزیز نعمت بالعیش الحسن صدر الشام حنا علیک ومصر لو تدری أحن قمنا لها کل بنا حیة رسول مؤتمن والأرز الطود المعصب بالجلال المطمئن یا مؤنس المصری فی حلب وما ننسى المنن وفی رثاء الشاعر مطران خلیل مطران قال یا نفس إن راح الخلیل وعنده ورد الخلیل فعجلی برحیلی هو مصرع للعبقریة روعت فی عرشها والتاج والإکلیل أما فی الشاعر أحمد شوقی فرثاه یقول قل للذین بکوا على شوقی النادبین مصارع الشهب وا لهفتاه لمصر والشرق ولدولة الأشعار والأدب هذا طریق قد ألفناه نمشی وراء مشیع غال کم من حبیب قد بکیناه لم یمح من خلد ولا بال وفی الأستاذ إبراهیم دسوقی أباظة إذا أخذ البدر المنیر مکانه وملک آفاق السما وتمکنا فذلک تکریم الربیع لروضه جلاها الأباظیون ورافة الجنى وأنت الذی فک القیود جمیعها عن الشعر تأبى أن یهان فیسجنا قالوا عنه :

لقبه الشعراء من أبناء جیله بشاعر الأطلال نسبة للملحمة الکبیرة المعنونة بهذا العنوان. الدکتورة نعمات أحمد فؤاد: "کان ناجی سریع الانفعال کثیر الأوهام قلق الظنون طاغی الحس رفاف النفس هفاف المشاعر، وکلها عوامل تظهر أثرها فی صاحبها فی کل ما یصدر عنه" . الأمیر عبد الله الفیصل: " یعد ناجی من ابرز الشعراء الذین أقرأ لهم واحبهم " .

الناقد مصطفى یعقوب عبد النبی " على الرغم من أنّ جماعة "أبوللّو" والتی تعدّ من أبرز الظواهر الأدبیة فی تاریخ الأدب العربی المعاصر, قد ضمّت عشرات الأسماء من الشعراء العرب, إلاّ أن إبراهیم ناجی یقف فی مقدّمة تلک الأسماء

الناقد الشهیر مصطفى عبد اللطیف السحرتی:" کان ناجی ظاهرةً شعریّةً فریدةً, بهرت بیئتنا الأدبیة فی مطلع الثّلْث الثانی من هذا القرن, شاعریّةً مجدّدةً نفرت من القوالب القدیمة; شاعریّة غنائیّة وجدانیّة مبدعة" .

الدکتور محمد مندور فی معرض تعلیقه على قصیدة ناجی الشهیرة "العودة" حیث یقول: "هذه القصیدة التی أَحسبها من روائع النّغم فی الشّعر العربیّ الحدیث, على الرغم من کونها تندرج تحت فن عربیّ قدیم, وهو فن بکاء الدیار. ومع ذلک امتازت بالجدة والجمال

الدکتور شوقی ضیف الرئیس السابق لمجمع اللغة العربیة : " کلّ شعر ناجی رومانسیٌّ خالًصٌ, وأخرج الشعر من باب الرؤیةِ والخیال إلى باب الحقیقة والتجربة الواقعة"

ذات مساء

وانتحینا معا مکاناً قصیاً نتهادى الحدیث أخذاً وردّا سألتنی مللتنا أم تبدلتَ سوانا هوىً عنیفاً ووجدا قلت هیهات! کم لعینیکِ عندی من جمیلٍ کم بات یهدى ویسدى انا ما عشت أدفع الدین شوقا وحنینا إلى حماکِ وسهدا وقصیداً مجلجلاً کل بیتٍ خلفَه ألفُ عاصفٍ لیس یهدا ذاک عهدی لکن قلبک لم یقض دیونَ الهوى ولم یرعَ عهدا والوعودُ التی وعدتِ فؤادی لا أرانی أعیش حتى تؤدَّى

 

 

دَین الأحیاء

 

دَینٌ . . . وهذا الیومُ یومُ وفاءِ کم منَّةٍ للمیْتِ فی الاحیاءِ! إن لَم یکن یُجزَى الجزاءَ جمیعَه فلعلَّ فی التذکار بعضَ جزاءِ یا ساکنَ الصحراء منفرداً بها مستوحشاً فی غربةٍ وتنائی هل کنتَ قبلاً تستشفّ سکونَها وترى مقامَک فی العراء النائی فأتیتَ - والدنیا سرابٌ کلها- تروی حدیثَ الحبِّ فی الصحراءِ ووصفتَ قیساً فی شدیدِ بلائه ظمآن یطلب قطرةً من ماءِ ظمآن حین الماء لیلى وحدُها عزَّت علیه ولَم تُتح لظماءِ! هیمان یضرب فی الهواجر حالماً بظلال تلک الجنة الفیحاءِ فاذا غفا فلطیفها، وإذا هفا فلوجهها المستعذبِ الوضّاءِ یا للقلوب لقصةٍ بقیت على قِدم الدهور جدیدةَ الأنباءِ هی قصةُ الطیف الحزین، وصورةُ القلب الطعین، مجللاً بدماءِ هی قصةُ الدنیا، وکم من آدم منا له دمعٌ على حوّاءِ کل به قیسٌ إذا جنَّ الدجى نزع الإباءَ وباح بالبرحاءِ فاذا تدارکه النهارُ طوى المدا معَ فی الفؤاد وظُنَّ فی السعداء لا تعلم الدنیا بما فی قلبه من لوعةٍ ومرارةٍ وشقاء کلٌّ له "لیلى" ومن لَم یَلقها فحیاته عبثٌ ومحضُ هباءِ کلٌّ له "لیلى" یرى فی حبها سرّ الدُّنى وحقیقة الأشیاءِ ویرى الأمانی فی سعیر غرامها ویرى السعادةَ فی أتمِّ شقاءِ الکونُ فی احسانها والعمرُ عند حنانها، والخلدُ یومُ لقاءِ یا للقلوب لقصةٍ محزونةٍ لم تُروَ إلاَّ روِّحَتْ ببکاءِ خلُدت على الدنیا وزادت روعةً ممّا کساها سیدُ الشعراءِ خلدتْ على الدنیا وزادت روعةً من جودة التمثیل والإلقاءِ من فنّ (زینبها) ومن (علاّمها) زین الشباب وقدوةِ النبغاء

منبع:

http://www.diwanalarab.com/spip.php?article3846

http://aladab.mihanblog.com/

/ 0 نظر / 94 بازدید