بحث عن ذاتیّة الشاعِر الجاهلی

وربما کانت هذه الصلة تساعد الشعراء مثل الکهنة على أن یعبروا عن أنفسهم بطریقة إبداعیة خاصة، مثلما کان الکهنة یستخدمون السجع فی خطبهم. ومن جهة أخرى، فإن لغة القرآن لغة مسجوعة ولذا کان بعض القرشیین یتهمون الرسول محمداً ( بانتمائه إلى صفوف الکهنة. ومن هذا یمکننا أن نتوقع بأن الصلة التی تربط الشعراء بالکهنة کانت لغة السجع. ولغة الشعراء هی لغة البیت والقافیة. وأما بخصوص الرسول محمد ( فقد اضطر أن یدافع عن نفسه ضد هذه التهمة کما ورد ذلک فی سورتی الحاقة والطور. ولکن بالنسبة لما نود الإشارة إلیه هو أن الرسول فی سورة الشعراء رد على الشعراء بالشعراء أنفسهم مثلما فعل أفلاطون فی جمهوریته ووسمهم بصفة الکاذبین. وفی الآیتین (210 211)، من نفس السورة نجد الفکرة التی تقول بأن القرآن لم ینزل على الشیاطین، أی على الکهنة أو الشعراء لأنهم "وماینبغی لهم و مایستطیعون "ویتهم القرآن الشیاطین الذین تآمروا على البشر ویتسمعون لما یجری فی السماء وبإمکانهم أن ینقلوا المعارف السریة کالأشخاص الذین یمتلکونها إلى الناس المختارین فی الدنیا.‏

ومن هذه الفکرة یبدو أن الشعراء قد أصبحوا مثل الکهنة السذج. ولکن هذه التهمة التی وردت بالقرآن قد لا تستطیع أن تحطم القدرة الشعریة (أو السحریة)، تحطیماً کاملاً. ولذا أضاف القرآن تهمة أشد وأقوى عندما ذکر بأن الشعراء یتکلمون بما لا یستطیعون تحقیقه ولذا فإن عملهم وشعرهم لیسا منسجمین وإن من یتبعهم هو فی ضلال ولکن ما أراه أهم هو هذه الصلة بین إبلیس أو الشیطان والشاعر، کما أن رأی الشاعر الجاهلی فی القدر وبحثه عن الحقیقة و المعرفة یذکرنا بما جرى، إلى حد ما، بفاوست غوته الأسطوری، وأخیراً بالثقافة الفاوستیة، هذه الثقافة الخاصة التی ولدت فی حضن الثقافة الجرمانیة، وهناک وجه آخر لنفس العملة، کما یقال، أی هذه الظاهرة تقول إن الکاهن أو الشاعر أو الإنسان بوجه عام یحصل على المعارف السریة ویبرزها فی أماکن الطقوس (وأنا أرى عکاظ والمربد والأسواق الأخرى أماکن للطقوس)، ویحرک نفوس المستمعین ومن ثم کل شیء ینتهی عند ذلک. ولذا اسمحوا لی بطرح السؤال التالی: لماذا لم تنجب هذه البذرة الفاوستیة التی نجدها فی بدایة الثقافة العربیة محاولة اللهاث وراء المعرفة ومحاصیلها؟ ولماذا لم تتحقق الثقافة الفاوستیة فی مفهومها الأوروبی الحدیث؟ وأعتقد أن الجواب الوحید الذی أستطیع أن أقدمه هنا هو عدم وجود الجو المناسب فی الأطراف الأخرى لحیاة المجتمع العربی آنذاک، لأن هذه الفکرة الفاوستیة ظهرت بشکل مبکر تقریباً، فی المرحلة البدائیة من تشکل العقل الإنسانی. ولکن هذه الظاهرة ساعدت مساعدة واضحة على ظهور الإسلام کمرحلة أرقى وأعلى فی سیر الثقافة نحو الأمام کما تمثلت هذه الظاهرة فی بدایة انتشار الإسلام فی "جوع" الأعراب للتعلم أکثر وتوسیع آفاقهم ولیعوضوا کل ما لم یعرفوا فی جاهلیتهم.‏

ولنتوقف الآن قلیلاً عند الفرق الجوهری بین النظریتین العربیة والأوروبیة تجاه مفهوم صنف الإلهام، وقد یحیرنا هذا الفرق لأننا نجد أن آلهة ما تقف وراء النظریة الأوربیة، بینما یقف وراء الشاعر الجاهلی الشیطان نفسه، قبیحاً مطروداً، مستفزاً. وفی اعتقادی أن هذا الشیطان هو الذی یسمو بهذا الشعر إلى مستوى الإبداع ویجعله شعراً مادیاً وتشکیل وتکوین نظریة الشعر الواقعی ولأنه کذلک فالقصیدة عند الشاعر الجاهلی تجد حاجة شدیدة فی سعیها للوصول إلى کشف مکنونات الطبیعة. والقصیدة تمثل، کما هو معروف، شکلاً أدبیاً ممزوجاً(11)، من ثلاثة أجزاء مختلفة: الجزء الأول منها، الذی نسمیه النسیب یشیر إلى میزة أساسیة عند الشاعر الجاهلی أو إلى (الموتیف) (MOTIV) الأساسی الحاجة الجامعة إلى الأسفار والبحث عن المجهول والمفقود. ولذا أرى فی هذا الجزء، عندما یبحث الشاعر الجاهلی عن حبیبته ویسرد ذکریاته معها ویقف مناجیاً أطلالها، إن هناک رمزاً أصیلاً یسری فی عروق الشعر العربی حتى أیامنا هذه. إن "موتیف" الفرار الدائم هو المحرک الحقیقی لیس للشعر الجاهلی فحسب بل وحتى للشعر المعاصر. یصف الشاعر تأبط شراً فی القرن السادس صاحباً له کان لاهث الشوق للأسفار غیر آبه برحاب القفار (وفی رأینا هذا رمز المغفرة)، والظمأ (رمز المعرفة) والخطر (رمز العقاب) الذی یداهم المسافر عند کل خطوة. ویمکن تتبع مثل أولئک المسافرین والتائهین بین الشعراء (أمثال تأبط شراً والشنفرى وامرئ القیس)، من خلال الشعر الجاهلی عامة، کما یمکن ذلک فی القرون الوسطى، ولکن بشکل أقل وضوحاً، باستثناء المقامات. ویبدو أن الحضارة الشمسیة تغلبت هذه الفترة (القرنین الحادی عشر والثانی عشر)، على الحضارة القمریة. وحتى فی أ یامنا هذه نشهد میول الشعراء إلى الأسفار والتیه وذلک على سبیل المثال من خلال أشعار بدر شاکر السیاب، وعبد الوهاب البیاتی، وسعدی یوسف، والفیتوری، ویمکننا تلمس هذه الظاهرة فی قصص ألف لیلة ولیلة، وإن کان الباحثون الأوربیون بشکل خاص یلاحظون تأثیر الهنود فی ذلک الموضوع، غیر أنی أعتبر هذا الرأی غیر سلیم.‏

والرجل المسافر یحتاج على الدوام إلى أن یعلم مصیره. والمصیر عند الشاعر امرئ القیس یعبر عن فضاء رحب الأشواق والعدو خلف ما یفلت من العقل البشری. ویعبر هذا الشاعر عن البشر والمستقبل فی شعره بعاملین أحدهما یبنی بوعی والآخر یهدم بجهله. ویمکننا الاستنتاج أن الشاعر الجاهلی یتعذب إلى حد ما من أجل کشف مکنونات الفضاء والطبیعة غیر أن بعض المستشرقین یصفونه بالمادیة ویتهمونه بجفاف الأسلوب وحتى یبدو بالنسبة إلیهم مملاً، ناسین أن أی شعر بدائی لا یستطیع أن یتجاوز عصره البدائی، ولکن ذاتیة هذا الشعر تجذبنا من جدید عندما نجدها قد تطورت فی القرنین 8 10 إلى الشک الذی اندثر بعد ذلک بسرعة مع شدید الأسف وتحول إلى الخفوت والرکود (12).‏

بقی فقط الوهج البلاغی وتلاشى النبض الجمالی. ویبدو أن الشعر الکلاسیکی قد وصل إلى نصف العمود الذی یربط الأسفل والأعلى لیأتی الشعر المعاصر ویبدأ صعوده مع هذا العمود إلى أعلاه.‏

إن المصیر الذی یهتم به شعراء البادیة هو مصیر متقلب مستتر، ولذا لیس من الغریب أن ینظروا ولو نادراً خارج شخصیاتهم الضعیفة المحدودة التأثیر ولذا فإن هؤلاء الشعراء، حسب تقالید السامیین القدامى وحسب تقالید حضارات وادی الرافدین، یتطلعون إلى الطبیعة والنجوم للحصول على الأجوبة التی طرحتها روح متسائلة ومتعجبة وعلى سبیل المثال، الشعر المعاصر یواصل هذه "الخبرة" فإن الشاعر السیاب کثیراً ما یتطلع إلى النجوم ولکنه یرمز فی شعره بشیء معاکس للنجوم وهو الصدف. ویعنی هذا الربط عذاب الإنسان أمام الحقیقة، أی بین النور والظلام، بین التفاؤل والتشاؤم، بین الأسرار والمعرفة. وکان عرب الزمن القدیم یؤمنون بأن هبوط النجوم ینبئ بوفاة نبیل أو بولادته. ولکن شعراء القرون الوسطى یحاولون اجتیاز هذه الهاویة وعدم الانسجام بین البشر والفضاء عن طریق إهمال هذه المسألة.‏

ومن خلال هذا البحث السریع أود أن أبین للقارئ أن هذا الإلهام شبه الفاوستی ترک أثراً مهماً لیس فی الشعر العربی فحسب، وإنما فی الثقافة عموماً بالرغم من أنه لم یستطع أن یؤثر على ظروف هذا العصر البدائی والعصور التی تلته، ولذا کان الإلهام لمدة قصیرة محاولة للبحث عن مقاومة الحقیقة وبث الشکوک(13) ولکنه تحول بمرور القرون، إلى حرکة جدیدة فی الشعر العربی المعاصر (القرن العشرین وبالخصوص منذ الخمسینات)، عندما أصبح الشعر الحر یبنی طرقه الجدیدة، مؤکداً على وجود الإنسان.‏

**** ‏

الحواشی:‏

(1) لأن القصیدة بلغت هذه الدرجة من المهارة الشعریة، وخاصة من جانب العروض بحیث أصبح بعض الباحثین یشکون فی أصالتها الباکرة مع أن فیلیب حتی، المؤرخ الشهیر، یضع القصیدة فوق ملاحم هومیروس وعلینا أن نتذکر أن هومیروس کان "مفاجأة کبیرة"، بحد ذاته فی ذلک الزمن.‏

(2) فی الأدب الجاهلی، القاهرة 1962، ص 71.‏

(3) مقدمة ابن خلدون، ج4، القاهرة، ص 1314.‏

(4) انظر دراسة نور الدین صمود المنشورة فی أعداد مجلة الفکر التونسیة لعام 1978، وبالخصوص العددین 5 و10.‏

(5) انظر باللغة الروسیة:‏

S.Y.SHIDFAR, Obraznaya sistema arabskyo Klasicheskoy literaturi, Moskva, 1974.‏

(6) طه حسین، المصدر المذکور، ص 71.‏

(7) إن هذا التغلب واضح فی العصر الأموی حیث یحترم الشعراء التقلید الجاهلی احتراماً شاملاً، وانظر إلى:‏

Papers on Islamic Kistory (950- 1750). Oxford 1973.‏

وفیه دراسة CI. Cahen.‏

(8) یقول القرآن: (أقرأ باسم ربک الذی خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ وربک الأکرم، الذی علم بالقلم، علم الإنسان مالم یعلم(.‏

(9) العقد الفرید، بیروت 1963، ص 44.‏

(10) المصدر المذکور، ص 65.‏

(11) ویقول ابن خلدون عن الشکل والمضمون إن الأول بمثابة القوالب للمعانی فکما أن الأوانی التی یغترف بها الماء من البحر منها آنیة الذهب والفضة والصدف، والزجاج والخزف والماء واحد فی نفسه، وتختلف الجودة فی الأوانی المملوءة بالماء، باختلاف جنسها لا باختلاف الماء (مقدمة، ص 1325).‏

(12) نجد أشکال الشک عند المعتزلة والمعری وأبی نواس الذی یقول:‏

دع عنک لومی فإن اللوم إغراء وداونی بالتی کانت هی الداء‏

وقل لمن یدعی فی العلم فلسفة حفظت شیئاً وغابت عنک أشیاء‏

(13) قد أکون مضطراً فی هذا المکان إلى شرح موقفی من جدوى الشک فی سیر البشر إلى الأمام. وابتداء من شکوک مونتسکیه الفرنسی بدأت الثقافة الأوروبیة أو الغربیة تتقدم فنیاً وفلسفیاً وتیکنولوجیاً، الشک هو ما یحرکنا فی بحثنا عن الذات والعلم.‏

 

مجلة التراث العربی-مجلة فصلیة تصدر عن اتحاد الکتاب العرب-دمشق العدد 20 - السنة الخامسة - تموز "یولیو" 1985 - ذو القعدة 1405

http://aladab.mihanblog.com/

/ 0 نظر / 76 بازدید