نویسنده: مجید عوضوردی مقدم - ۱۳۸٧/٩/٢۳

بسم الله الرحمن الرحیم


الحمد لله الخافض الرافع، الضارّ النافع، الجواد الواسع، وصلّى الله على رسوله ومصطفاه سیّدنا محمّد النبی الشافع، وعلى آله، وخُلّص صحبه، وخیار شیعته وحزبه، وسلّم تسلیماً کثیراً.
أمّا بعد:
فإنّ کثیراً ممّن أعمى الله بصائرهم، وختم على قلوبهم، فلا یکادون یفقهون حدیثاً، ما زالوا مذ وقوع الفتنة، وحدوث المحنة فی هذه الاَُمّة، بعد لحوق نبیّها صلى الله علیه وآله وسلم بالرفیق الاَعلى، یتربّصون بأهل الحقّ الدوائر (علیهم دائرة السَّوء وغضب الله علیهم ولعنهم وأعدّ لهم جهنّم وساءت مصیراً)[1] ویلتمسون لهم الزلاّت والعثرات فی کلّ مضمار، وحیثما ظنّوا أنّه من تلک الموارد أقدموا ـ بزعمهم ـ على کشف العَوار،
وإشهار العار والبَوار.


وقد سرى بغیهم وإرجافهم بأهل الاِیمان إلى علم العربیّة، الذی تنزّه منهله عن تلک النعرات المذهبیّة، وصفا مورده من کدر التناحرات والتشاجرات الطائفیّة.
فمّما أنکروه على شیعة آل الرسول صلى الله علیه وآله وسلم وجعلوه آیة التباین بین مذهب الشیعة ومذهب أهل السُنّة والجماعة، قولهم ـ فی التصلیة على النبیّ علیه وآله الصلاة والسلام ـ: «صلّى الله علیه وآله وسلّم» بعطف الظاهر على الضمیر المخفوض من دون إعادة الخافض.
وزعموا أنّ الشیعة تعمّدوا ذلک واستندوا إلى حدیث وضعوه، وهـو ما عزوه إلى النبیّ صلى الله علیه وآله وسلم أنّه قال: لا تفصلوا بینی وبین آلی بعلى ـ کما قاله الشیخ یاسین بن زین الدین العلیمی الحمصی فی حاشیة «التصریح»[2] للاَزهری ـ.
وقد سبقه إلى ذلک بعض المرجفین من المخالفین[3]، وقانا الله من شرورهم، وردّ کیدهم إلى نحورهم، آمین.
قال العلاّمة الشریف الجزائری رحمه الله فی حاشیته على «الفوائد الضیائیة»: قال الفاضل المحشّی: منع الشیعة إدخال «على» على الآل عند
التصلیة، ونقلوا فی ذلک حدیثاً، والتزم أهل السُنّة ذکرها ردّاً علیهم، فإنّها موجودة فی الاَحادیث الصحیحة، والظاهر أنّ ما نقلوه یکون موضوعاً. انتهى.
وتعقّبه الجزائری رحمه الله بقوله: أمّا الحدیث الذی أشار إلیه هو قولـه: «من فصل بینی وبین آلی بعلى فقد جفانی» وأمّا نسبته إلى الشیعة، فإنْ أراد به الاِمامیة، فهو کذبٌ علیهم، لعدم وروده فی أخبارهم، وورد عن أئمّتهم علیهم السلام الفصل بـ «على» وإنْ أراد غیرهم من الفرق فالحال على ما قال، لاَنّا روینا بطریقنا إلى شیخنا البهائی أنّه رآه فی کتب الاِسماعیلیّة. انتهى.
وقال الشیخ العلاّمة أبو طالب رحمه الله فی حاشیته على «البهجة المرضیّة» ـ عند قول الشارح جلال الدین السیوطی: (و) على (آله) أی أقاربه المؤمنین... إلى آخره ـ ما لفظه: تقدیر لفظ (على) على الآل للردّ على الخاصّة، فإنّ هذا من دأب العامّة رغماً لاَنف الخاصّة، زعماً منهم استقباح ذلک عند الخاصّة لحدیث مشهور معتبر عندهم ـ بزعم العامّة ـ وهو ما أُسند إلى النبیّ صلى الله علیه وآله وسلم : «مَن فصل بینی وبین آلی بعلى لم ینل شفاعتی».
قال رحمه الله: ولم یعلموا أنّ هذا الحدیث مصنوع عند الخاصّة، ودخول (على) على الآل کثیر فی الاَدعیة المرویّة عن أئمتنا علیهم السلام . انتهى.
وسُئل الشیخ الاِمام فخر الدین ابن المطهّر رحمه الله عن هذا الحدیث والوجه المبنیّ علیه.
فأجاب: أنّه لا وجه لهذا القول، بل القول ما قاله النحاة.
قال رحمه الله: ولولا اتّباع النقل ما جاز إلاّ بإعادة الحرف الخافض، على

أنّه قد ورد فی کثیر من الاَدعیة عنهم علیهم السلام[4]. انتهى.
قلت:
ینبغی أن یحمل قوله «ما جاز إلاّ بإعادة الحرف الخافض» على ضرب من المبالغة، لکثرة الاستعمال کذلک وشیوعه فی کلامهم، لا أنّ غیره لا یجوز، کیف؟! وستعرف إن شاء الله أنّ عطف الظاهر على المخفوض من دون تکرار الخافض مذهب الکوفییّن وجماعة من المحقّقین، مضافاً إلى ورود النقل به.
نعـم، یظهر من کلام شیخ الاِسلام المجلسـی رحمه الله مرجوحیّة الفصل بـ «على»، فقد حُکی عنه أنّه قال فی «شرح الاَربعین»: اشتهر بین الناس عدم جواز الفصل بین النبیّ صلى الله علیه وآله وسلم وآله بعلى مستدلّین بالخبر المشهور بینهم، ولم یثبت عندنا هذا الخبر، ولا هو موجود فی کتبنا، ویُروى عن شیخنا البهائی رحمه الله أنّ هذا من أخبار الاِسماعیلیّة.
قال ؛: لکن لم نجد فی الدعوات المأثورة عن أرباب العصمة علیهم السلام الفصل بها إلاّ شاذّاً، وترکه أَوْلى وأحوط. انتهى.
وتعقّبه صاحب «مصابیح الاَنوار» ؛ بأنّ الفصل بها موجود فی کثیر من الاَدعیة والاَذکار سیّما الصحیفة السجادیّة[5].
قلت: والاَمر کما قال، وقد مرّ نحو ذلک عن أبی طالب رحمه الله.
وأمّا ما اشتهر بین الناس فلا حجّة فیه ما لم ینهض علیه دلیل صالح معتبر، فرُبّ مشهور لا أصل له، وقد عرفت حال مستندهم فی ذلک.
وأمّا عدم وجدانه رحمه الله الفصل ـ إلاّ شاذّاً ـ فلا یدلّ على عدم وجوده کثیراً، على أنّنی أرى أنّ کلامه هذا إلى طغیان القلم أقرب منه إلى زلّة القدم، والمعصوم من عصمه الله تعالى، فإنّ الاَدعیة المأثورة والاَحادیث المشهورة قد تضمّنت الفصل بعلى، وحسبک من ذلک قول زین العابدین وسیّد الساجدین علیه الصلاة والسلام فی الصـحیفة المبارکة ـ زبور آل محمّد صلى الله علیه وآله وسلم ـ: «فَصَلِّ علیهم وعلى الملائکة الّذین من دونهم» وقوله علیه السلام : «فَصَلِّ علیهم وعلى الروحانیّین من ملائکتک» وقولـه علیه السلام : «وصلّى الله علیه وعلى آله» وغیر ذلک ممّا یقف علیه المتتبّع فی مطاوی الاَدعیّة الشریفة.
فظهر أنّ الاحتیاط المذکور لا محلّ له فی المقام، وأنّه لا وجه لاَوْلویّة الترک، إذ لم یقمْ دلیل على ذلک سوى حدیث منکَر، آثار الوضع تلوح علیه بوضوح، وریح الاختلاق منه تفوح، مضافاً إلى استعمال العرب العرباء ومعاشر النحاة والاَُدباء لکلا الوجهین ـ کما سنبیّنه إن شاء الله تعالى ـ.
هذا، وقد اجتهد بعضهم[6] فی الاعتماد على ذلک الحدیث المنحول مستنداً إلى قاعدة التسامح فی أدلّة السنن والکراهة، وأنّ وجوده فی کتب الاِسماعیلیّة غیر قادح فیها، لاَنّها لیست بأقلّ اعتباراً من کتب الواقفیّة ـ بنی فضّال ـ ونظائرهم الّذین ورد عنهم علیهم السلام فی حقّ کتبهم «خذوا ما رووا ودعوا ما رأوا».
وفیه: أنّ العُلماء رحمهم الله تعالى إنّما بنوا الاَمر على التسامح فی
أدلّة السُنن والکراهة فی الحدیث الضعیف ـ وإن اشتدّ ضعفه ـ ما لم یبلغ حدّ الوضع، ولا ریب أنّ هذا الحدیث موضوع مختلق ـ کما مرّ آنفاً ـ ورکاکة معناه شاهدُ صدقٍ على ذلک.
وأمّا کتب بنی فضّال فقد ثبت النصّ الصریح باعتبارها والعمل بمضمونها ـ وإنْ کان مذهبهم باطلاً ـ وما ذلک إلاّ لصدق لهجتهم، فتقبل مرویّاتهم بشرط أن تکون عن ثقة.
وبالجملة: فروایات بنی فضّال إنّما أُمرنا بقبولها بعد الفراغ عن حال الرواة قبلهم وبعدهم، وأمّا هم فروایاتهم من جملة روایات الثقات.
ولیس مثل هذا الاعتبار موجوداً فی کتب الاِسماعیلیّة، مع أنّ الموضوعَ موضوعٌ سواءً کان فی کتب الاِسماعیلیّة أمْ فی کتب بنی فضّال أمْ فی کتب غیرهم، فلیس طرح الحدیث المذکور لوجوده فی کتب الاِسماعیلیّة، کیف؟! وقد اعتمد فقهاء أصحابنا الاِمامیّة ـ أدام الله برکاتهم ـ فی الفقه على جملة وافرة من أحادیث کتاب «دعائم الاِسلام» للقاضی أبی حنیفة النعمان التمیمی ـ وکان من فقهاء الاِسماعیلیّة وقضاتهم ـ بل لِما اطّلعت علیه من وضعه واختلاقه، والله تعالى أعلم.
إذا عرفت ذلک فلا بُدّ من تحریر محلّ النزاع أوّلاً، ثم الخوض فی النقض والاِبرام، وتحقیق الحقّ فی المقام، فنقول ـ وعلى الله التوکّل وبه الاعتصام ـ:
اختلفوا فی جواز عطف الاسم الظاهر على الضمیر المجرور من دون إعادة الجارّ، حرفاً کان أم اسماً، فجمهور البصریّین على المنع فی السعة والاختیار، وذهب الکوفیّون ویونس والاَخفش وقطرب والزجّاج إلى

جوازه[7]، ووافقهم علیه ثُلّة من الجهابذة المحقّقین کأبی علی الشلوبین وأبی حیّان، وجرى علیه ابن هشام فی بعض کتبه، لثبوت ذلک فی فصیح الکلام ـ کما فی «الحدائق الندیّـة»[8] ـ.
وحکى الخلاف فی ذلک الاِمام أبو عبدالله جمال الدّین محمّد بن مالک فی (الخلاصة)، حیث قال:

وعود خافضٍ لدى عطفٍ على * ضمیر خفضٍ لازماً قد جُعلا
ولیس عندی لازماً إذ قد أتى * فی النظم والنثر الصحیح مثبتا


انتهى.
أمّا النثر الصحیح ـ والمراد به الکتاب العزیز ـ:
1 ـ فمنه: قوله تعالى: (واتّقوا الله الذی تساءَلون بـه والاَرحامِ)[9] بخفض الاَرحامِ عطفاً على الهاء المجرورة بالباء فی قراءة حمزة بن حبیب الزیّات ـ من السبعة ـ وهی أیضاً قراءة ابن عبّاس رضی الله عنه وابن مسعود والحسن البصری والقاسم ومجاهد وقتادة وإبراهیم النخعی والاَعمش ویحیى بن وثّاب الکوفی وطلحة بن مصرف وأبی رزین، وروایة الاصبهانی والحلبی عن عبدالوارث.
قال شیخنا رحمه الله فی «شرح البهجة المرضیّة»[10] ـ فی ردّ الاِستشهاد
بهذه القراءة ـ: إنّ الاستدلال بالقراءة المرجوحة لاِثبات القواعد مرجوح ـ لو لم تکن القراءة ضعیفة ـ وإنْ قیل: إنّ القراءة سُنّة متّبعة، لاَنّه لا یدلّ على کونها فصیحة. انتهى.
والجواب: أنّها قراءة بعض الصحابة والتابعین، مضافاً إلى أنّها قراءة حمزة ـ وهی من السبع المتواترة ـ فهی حجّة وصحیحة، وقد ذکر الاِمام أمین الدین الطبرسی رحمه الله فی مقدّمة «مجمع البیان»[11] أنّ حمزة قرأ على أبی عبدالله جعفر بن محمّد الصادق علیهما الصلاة والسلام، وقرأ على حمران ابن أعین أیضاً، وهو قرأ على أبی الاَسود الدؤلی، وهو قرأ على علیّ بن أبی طالب علیه السلام ، فأین مشرع الفصاحة إن لم یکن ها هنا؟!
وأمّا قوله رحمه الله: «إنّ الاستدلال بالقراءة المرجوحة لاِثبات القواعد مرجوح».
ففیه: أنّا لو سلّمنا ـ جَدَلاً ـ مرجوحیّة قراءة حمزة ـ مع ما قد عرفت من مأخذها ـ فهو لا یکاد یصحّ أیضاً، بل هو مخالفٌ لما تقرّر فی أُصول النحو من أنّ کلّ ما ورد أنّه قُرىَ به جاز الاحتجاج به فی العربیّة سواء کان متواتراً ـ کالقراءات السبع المشهورة ـ أمْ آحاداً ـ کقراءة الثلاثة الّذین هم تمام العشرة ـ أمْ شاذّاً، وهی ما وراء العشرة[12].
قال السیوطی فی «الاقتراح»[13]: وقد أطبق الناس على الاحتجاج بالقراءات الشاذّة فی العربیّة إذا لم تخالف قیاساً معروفاً، بل ولو خالفته یحتجّ بها فی مثل ذلک الحرف بعینه، وإنْ لم یجز القیاس علیه.
قال: وما ذکرته من الاحتجاج بالقراءة الشاذّة لا أعلم فیه خلافاً بین النحاة.
وقال فی «الاِقتراح»[14] أیضاً: کان قوم من النحاة المتقدّمین یعیبون على عاصم وحمزة وابن عامر قراءات بعیدة فی العربیّة، وینسبونهم إلى اللحن، وهم مخطئون فی ذلک، فإنّ قراءاتهم ثابتة بالاَسانید المتواترة الصحیحة التی لا مطعن فیها.
قال: وثبوت ذلک دلیل على جوازه فی العربیّة، وقد ردّ المتأخّرون ـ منهم ابن مالک ـ على مَن عاب علیهم ذلک بأبلغ ردّ، واختار هو جواز العطف على الضمیر المجرور من غیر إعادة الجارّ.
انتهى کلام السیوطی.
وحکى الشیخ العلاّمة أبو الفضل الکازرونی فی حاشیته على «أنوار التنزیل»[15] عن الجزری فی کتاب «النشر» أنّ بعض أهل النحو أو کثیر منهم ولم یعتبر إنکارهم، بل أجمع الاَئمّة المقتدى بهم من السلف على قبولها کخفض (والاَرحامِ). انتهى.
وقال نظام الدین النیسابوری فی تفسیره[16]: من قرأ بالجرّ فلاَجل العطف على الضمیر المجرور فی (به) وهذا وإنْ کان مستنکراً عند النحاة بدون إعادة الخافض إلاّ أنّ قراءة حمزة ممّا ثبت بالتواتر عن رسول الله صلى الله علیه وآله وسلم فلا یجوز الطعن فیها لقیاسات نحویّة واهیة کبیت العنکبوت. انتهى.
وقال القرطـبی فی تفسیره[17]: قال الاِمام أبو نصـر عبدالرحـیم بن عبدالکریم القشیری ـ واختار العطف ـ: ومثل هذا الکلام مردود عند أئمّة الدین، لاَنّ القراءات التی قرأ بها القرّاء ثبتت عن النبیّ صلى الله علیه وآله وسلم تواتراً یعرفه أهل الصنعة، وإذا ثبت شیء عن النبیّ صلى الله علیه وآله وسلم فمن ردّ ذلک فقد رّد على رسول الله صلى الله علیه وآله وسلم واستقبح ما قرأ به، وهذا مقام محذور، ولا یُقلَّد فیه أئمّة اللغة والنحو، فإنّ العربیّة تُتلقّى من النبیّ صلى الله علیه وآله وسلم ، ولا یشکّ أحد فی فصاحته. انتهى.
وحکى الثعالبی فی «الجواهر الحسان»[18] عن الصفاقسی أنّه قال: إنّ الصحیح جواز العطف على الضمیر المجرور من غیر إعادة الجارّ ـ کمذهب الکوفیّین ـ ولا تُردّ القراءة المتواترة بمثل مذهب الکوفیّین.
واستحسن الثعالبی کلامه.
وقال الاِمام فخر الدین الرازی فی «مفاتح الغیب»[19] ـ بعد ما حکى کلام جماعة فی فساد قراءة حمزة ـ: واعلم أنّ هذه الوجوه لیست وجوهاً قوّیة فی دفع الروایات، وذلک لاَنّ حمزة أحد القرّاء السبعة، والظاهر أنّه لم یأتِ بهذه القراءة من عند نفسه، بل رواها عن رسول الله صلى الله علیه وآله وسلم ، وذلک یوجب القطع بصحّة هذه اللغة، والقیاس یتضاءل عند السماع لا سیّما بمثل هذه الاَقیسة التی هی أوهن من بیت العنکبوت. انتهى.
وقال ابن یعیش فی «شرح المفصَّل»[20] ـ بعد ما ذکر أنّ أبا العبّاس
محمّد بن یزید المبرّد قد ردّ هذه القراءة، وأنّه قال: لا تحلّ القراءة بها ـ: وهذا القول غیر مرضیّ من أبی العبّاس، لاَنّه قد رواها إمامٌ ثقة، ولا سبیل إلى ردّ نقل الثقة، ثمّ ذکر بعض من قرأ بها وقال: وإذا صحّت الروایة لم یکن سبیل إلى ردّها. انتهى.
وبالغ أبو حیّان الاَندلسی فی الردّ على ابن عطیّة إذ ردّ قراءة حمزة[21] وقال فی «البحر المحیط»[22]: لسنا متعبّدین بقول نحاة البصرة ولا غیرهم ممّن خالفهم، فکم حکم ثبت بنقل الکوفیّین من کلام العرب لم ینقله البصریّون! وکم حکمٍ ثبت بنقل البصریّین لم ینقله الکوفیّون!
قال: وإنّما یعرف ذلک من له استبحار فی علم العربیّة لا أصحاب الکنانیس، المشتغلون بضروب من مبادىَ العلوم، الآخذون عن الصحف دون الشیوخ. انتهى.
وبالجملة: فکلامهم فی هذا المعنى یدلّ على اتّفاقهم على قبول قراءة حمزة وردّ ما یعارضها من الاَقیسة، وقد وردت من الشواهد المصحّحة لتلک القراءة ما لا یبقى معها ریب فی جواز العطف على النحو المذکور، کما سیأتی إن شاء الله تعالى.
وأمّا قول الاِمام الرضی رضی الله عنه[23]: إنّ الظاهر أنّ حمزة جوّز ذلک بناءً على مذهب الکوفیّین ـ لاَنّه کوفیّ ـ ولا نسلّم تواتر القراءات، فعندی غیر مرضیّ؛ لاَنّا نمنع أن یکون حمزة قد قرأ بذلک متابعةً لمذهب الکوفیّین، فإنّ القراءة سُنّة متّبعة ـ کما هو مشهور ـ لا یتصرّف فیها بقواعد العربیّة
المختلفة، وقد مرّ علیک آنفاً أنّه قرأ على أبی عبدالله علیه السلام وکذا على حمران بن أعین، فالقول فی حمزة بمثل ذلک ممّا لا ینبغی.
ولو فتح هذا الباب لجاز أن یتصرّف کلّ قارىَ بما یقتضیه مذهبه، وأن یقرأ کلّ من شاء کیفما شاء، فحینئذٍ لا یجوز الاعتماد على قراءة السبعة فضلاً عن غیرهم، فما استظهره رحمه الله غیر ظاهر، بل الظاهر خلافه، على أنّه ینبغی أن ینزّل النحو على القرآن وأن یکون مستقیماً به لا العکس، فتنبّه.
وأمّا عدم تسلیمه تواتر القراءات، فإنّ جماعة من أصحابنا ادّعوا تواترها إلى النبیّ صلى الله علیه وآله وسلم ـ کما فی «مفتاح الکرامة»[24] ـ فضلاً عن تواترها إلى أربابها، والله تعالى أعلم.

تنبیه

ذکر بعض من منع العطف من دون إعادة الخافض أنّ الواو فی (والاَرحامِ) للقسم لا للعطف فلا یتمّ الاستشهاد على المطلوب.
وأُجیبَ: بأنّه عدول عن الظاهر، مع أنّه لو کان قَسَم الطلب فی قوله: (واتّقوا الله) وَرَد علیه أنّ قَسَمَ السؤال إنّما یکون بالباء ـ کما قاله الرضیّ وغیره[25] ـ وإنْ کان قَسَم خبرٍ محذوف تقدیره: والاَرحام إنّه لمطّلع على ما تفعلون ـ کما قیل ـ کان زیادة فی التکلّف، کذا فی حاشـیة الصبّان على شرح الاَشمونی[26].
2 ـ ومنه: قوله تبارک اسمه: (فإذا قضیتم مناسککم فاذکروا الله کذکرکم آباءَکم أو أشدَّ ذِکراً)[27] وقد جعل الزمخشری فی «الکشّاف»[28] (أشدّ) معطوفاً على الکاف والمیم من( فاذکروا الله کذکرِکم آباءَکم ) ولم یجز عطفه على الذِکر.
قال الاِمام جمال الدین ابن مالک فی «شواهد التوضیح والتصحیح لحلّ مشکلات الجامع الصحیح»[29]: والّذی ذهب إلیه هو الصحیح، لاَنّه لو عطف على (الذِکر) لکان (أشدّ) صفة لـ: (ذِکر)، وامتنع نصب (الذکر) بعده، لاَنّک لا تقول: وذِکرک أشدّ ذِکراً، وإنّما تقول: ذِکرک أشدّ ذِکر، وتقول: أنتَ أشدّ ذِکراً، ولا تقول: أنت أشدّ ذِکرٍ؛ لاَنّ الذی یلی أفعل التفضیل من النکرات إنْ جُرّ فهو کلٌّ لاَفعل، وأفعل بعضٌ له، وإنْ نُصبَ فهو فاعل فی المعنى للفعل الّذی صیغ منه أفعل، ولذلک تقول: أنت أکبر رجل، وأکثر مالاً، و (أکثر) بعض ما جُرَّ به، وأکثر بمنزلة أفعل وما انتصب به بمنزلة الفاعل، کأنک قلت: کثر مالک أو فاق مالک غیره کثرة. انتهى.
3 ـ ومنه: قوله عزّ من قائل: (قل قتال فیه کبیرٌ وصدٌّ عن سبیلِ الله وکفر به والمسجدِ الحرام)[30] الآیة. فجرّ (المسجد) ـ بالعطف على الهاء المجرورة بالباء، لا بالعطف على سبیل ـ خلافاً لِما اختاره الزمخشری فی «الکشّاف»[31] ـ لاستلزامه الفصل بأجنبی بین جزءَی الصلة، وهو ممنوع بإجماع، فإن عطف على الهاء خلص من ذلک، فحکم



برجحانه لتبیّن برهانه.
وجعل ابن مالک فی «الشواهد»[32] الآیة من مؤیّدات الجواز، وتبعه أبو حیّان فی تفسیره[33]، فاختار أنّ (المسجد) معطوف على ضمیر (به) وإن لم یُعد الجارّ.
قال: والّذی نختاره أنّه یجوز فی الکلام مطلقاً؛ لاَنّ السماع یعضده، والقیاس یقوّیه، ولسنا متعبّدین باتّباع مذهب جمهور البصریّین، بل نتّبع الدلیل. انتهى.
وسبقهما الفرّاء إلى ذلک ـ کما فی حکایة القرطبی وأبی حیّان[34] عنه حیث قال: و (المسجد) عطف على الهاء فی (به) فیکون الکلام نسقاً متّصلاً غیر منقطع.
لکن حُکی عنه أنّه قال[35]: (والمسجد الحرام) عطف بالواو على (الشهر الحرام) کأنّه قال: یسألونک عن القتال فی الشهر الحرام والمسجد الحرام، فیکون أجنبیّاً عمّا نحن فیه، وإنْ کان الفرّاء ممّن ذهب إلى جواز العطف من دون إعادة الجارّ ـ کما فی «شرح الاَلفیة» لابن الناظم ـ[36].

تنبیه

قیل: خفض (المسجد) بباء محذوفة لدلالة ما قبلها علیها
لا بالعطف، فیکون مجموع الجارّ والمجرور معطوفاً على (به) وصوّبه ابن هشام فی (المغنی).
والجواب: أنّ حذف الجارّ وبقاء عمله شاذّ، إلاّ فی مواضع لیس هذا منها[37].
4 ـ ومنه: قوله جلّ وعلا: (ویستفتونک فی النساء قل الله یفتیکم فیهنّ وما یُتلى علیکم فی الکتاب )الآیة[38].
قال الزجّاج والفرّاء فی قوله (وما یُتلى): جاز أن یکون موضع (ما) خفضاً بالعطف على المضمر المجرور فی (فیهنّ)، بَیْدَ أنّ الزجّاج ضعّفه، ونُقل أیضاً عن محمّد بن أبی موسى.
وقول الطبرسی والزمخشری[39]: إنّ هذا بعید، لاَنّ الظاهر لا یحسن عطفه على الضمیر المجرور من غیر إعادة الجارّ، لیس بشیء لما تقدّم ویأتی من جواز ذلک، بل الوجه فی المنع ما فیه من الاختلال المعنوی الذی لا یکاد یندفع، والله أعلم.
5 ـ ومنه: قوله سبحانه: (لکن الراسخون فی العلم منهم والمؤمنون یؤمنون بما أُنزل إلیک من قبلک والمقیمین الصلاة) ـ الآیة[40].
قال الکسائی: موضع (المقیمین) جرّ، وهو معطوف على (ما) من قوله (بما أُنزل الیک) أی: وبالمقیمین الصلاة.
وقال قومٌ: إنّه معطوف على الهاء والمیم من قوله (منهم) على معنى: لکنّ الراسخون فی العلم منهم ومن المقیمین الصلاة.
وقال آخرون: إنّه معطوف على الکاف من (قبلک) أی: بما أُنزل من قبلک ومن قبل المقیمین الصلاة.
وقیل: إنّه معطوف على الکاف فی (إلیک) أو الکاف فی (قبلک).
وحُکی عن سیبویه والبصریّین[41] أنّ (المقیمین) نصب على المدح على تقدیر: أعنی المقیمین الصلاة، واختاره الزمخشری[42].
لکنّک خبیر بأنّه لا وجه لهذا التقدیر إلاّ على مذهب من لم یجوّز العطف إلاّ مع إعادة الخافض، وسیتبیّن لک بطلانه، مضافاً إلى أنّ سیاق الآیة لا یساعد علیه، فقد ذکر أهل التفسیر أنّ المراد بـ (المقیمین الصلاة) الاَنبیاء علیهم الصلاة والسلام، أی: ویؤمنون بالاَنبیاء المقیمین للصلاة، وقیل: المراد بهم الملائکة، وإقامتهم الصلاة تسبیحهم ربّهم واستغفارهم لمن فی الاَرض، أی: وبالملائکة؛ واختاره الطبری.
6 ـ ومنه: قوله عزّ وجلّ: (وجعلنا لکم فیها معایش ومن لستم له برازقین)[43] کما ذکره السیوطی فی «همع الهوامع».
وقال الفرّاء[44]: یجوز أن یکون (مَن) فی موضع جرّ عطفاً على



الکاف والمیم فی (لکم)، وصحّحه أبو حیّان وقال فی «البحر»[45]: الظاهر أنّ (من) فی موضع جرّ عطفاً على الضمیر المجرور فی (لکم)، وهو مذهب الکوفیّین ویونس والاَخفش. انتهى.
هذا، وأمّا النظم، فالشواهد منه کثیرة:
1 ـ منها: ما أنشده سیبویه فی کتابه:

فالیوم قرّبت[46] تهجونا وتشتمنا * فاذهب فما بک والاَیامِ من عجب[47]


فعطف «الاَیّام» على الضمیر المجرور فی «بک» من غیر إعادة الجارّ.
قال العینی فی «شرح الشواهد»[48]: وهذا جائز عند الکوفیّة ویونس والاَخفش وقطرب والشلوبین وابن مالک، وأجاز البصریّة أنّ مثل هذا محمول على الشذوذ، وفیه نظر لا یخفى. انتهى.
ولمّا کان شیخنا رحمه الله قد کتب شرحه على «البهجة المرضیّة» على نسخة سقیمة منها، وفیها: «وأنشأ سیبویه: فاذهب فما بک والاّیام من عجب» حسب أنّ قائله سیبویه، ومن ثمَّ أورد علیه: بأنّ ما قاله سیبویه لا تثبت به القواعد اللغوّیة المبتنیة على کلام العرب الموثوق بعربیّتهم.
ثمّ قال رحمه الله: نعم، لو کان قائله عربیّاً فصیحاً وکان هو ناقله لقبلناه. انتهى کلامه.



پاورقیها:
[6]. هو الشیخ باقر بن أحمد بن خلف، وتجد کلامه هذا فی ص23 ـ 24 من رسالته «المزایا والاَحکام لاسم نبیّ الاِسلام» المطبوعة فی النجف الاَشرف.

[17]. الجامع لاَحکام القرآن 5|45.

[27]. سورة البقرة 2: 200.

[32]. شواهد التوضیح والتصحیح: 54.

[23]. شرح الکافیة 1|320.

[38]. سورة النساء 4:127.

[16]. غرائب القرآن ورغائب الفرقان 4|179.

[9]. سورة النساء 4: 1.

[25]. شرح الکافیة 1|320.

[7]. وفی المسألة قول ثالث بالتفصیل وهو: أنّه یجب عود الخافض إنْ لم یُؤکّد، نحو: مررت بک وبزیدٍ، بخلاف ما إذا أُکدّ، نحـو: مررت بک أنت وزیدٍ، ومررت به نفسه وزیدٍ، ومررت بهم کلّهم وزیدٍ؛ وهذا قول الجرمی والزیادی کما حکاه السیوطی فی همع الهوامع ـ شرح جمع الجوامع ـ 2|139.

[10]. شرح البهجة المرضیّة المعروف بـ «مکرّرات المدرّس» 3|163.

[40]. سورة النساء 4: 162.

[44]. مجمع البیان 3|333.

[1]. سورة الفتح 48: 6.

[13]. الاقتراح: 48.

[14]. الاقتراح: 49.

[11]. مجمع البیان 1|12.

[15]. أنوار التنزیل 2|64.

[21]. النهر المادّ ـ المطبوع بهامش «البحر المحیط» ـ 3|156.

[46]. وروی: قَدْ بِتَّ.

[4]. أجوبة المسائل المهنّائیة: 172.

[5]. مصابیح الاَنوار فی حلّ مشکلات الاَخبار 1|419.

[20]. شرح المفصّل 3|78.

[42]. الکشّاف 1|313.

[47]. اختلف فی قائله، فقیل: للاَعشى، وقیل: لخفّاف بن ندبة، وقیل: لعبّاس بن مرداس.

[3]. ذکر المناوی فی فیض القدیر 1|17 ـ 18: أنّ فی الاِتیان بلفظ «على» فائدة وهی الاِشارة إلى مخالفة الرافضة والشیعة، فإنّهم مطبقون على کراهة الفصل بین النبیّ وآله بلفظ «على» وینقلون فی ذلک حدیثاً ـ کما بیّنه المحقّـق الدوّانـی وصدر الاَفاضل الشیرازی وغیرهما ـ. انتهى. قاتلهم الله أنى یؤفکون.

[24]. مفتاح الکرامة فی شرح قواعد العلاّمة 2|390.

[31] . الکشّاف 1|131.

[48]. شرح شواهد الاَُشمونی على الاَلفیّة 3|115.

[2]. التصریح فی شرح التوضیح 1|14.

[33]. البحر المحیط 2|147، النهر المادّ 2|146.

[37]. حاشیة الصبّان على شرح الاَُشمونی 3|115، وانظر شرح الکافیة 1|320.

[30]. سورة البقرة 2: 217.

[34]. تفسیر القرطبی 2|45، البحر المحیط 2|147.

[43]. سورة الحجر 15: 20.

[8]. الحدائق الندیّة فی شرح الصمدیّة: 159.

[12]. کما فی «الاِقتراح» فی أُصول النحو للسیوطی: 48.

[18]. الجواهر الحسان ـ تفسیر الثعالبی ـ 1|346.

[45]. البحر المحیط 5|450 ـ 451، شواهد التوضیح والتصحیح: 55.

[19]. التفسیر الکبیر 9|163.

[22]. البحر المحیط 3|159، النهر المادّ 3|157.

[29]. شواهد التوضیح والتصحیح: 56 و57.

[36]. شرح الاَلفیة: 212.

[39]. مجمع البیان 2|117، الکشّاف 1|301.

[28]. الکشّاف 1|125.

[41]. مجمع البیان 2|139.

[26]. حاشیة الصبّان على شرح الاَُشمونی 3|115.

[35]. التفسیر الکبیر ـ مفاتح الغیب ـ 6|134، مجمع البیان 1|312