نویسنده: مجید عوضوردی مقدم - ۱۳۸٧/٩/٢٧

 فهم الشاعر متأتی من فهم العصر الذی یعیشه بالدرجة الأولى ومن ثم فهم طبیعة المجتمع بشکل عام ، العصر هو بدایات العقد العاشر من القرن الأول للهجرة فی بدایات عهد العباسیین فی هذا العهد کان المجتمع یمر بتحولات شتى من أبرزها ما یدعى بعهد الفلسفات الدینیة والتی ارتبطت بالحرکات الدینیة وخصوصا فی نهایات عهد الأمویین وضعف سیطرة الدولة المرکزیة التی کانت الدافع لظهور حرکات فلسفیة مناوئة للفکر الاسلامی بشکل خاص ، مدعمة باعتقادات خاطئة وضعف الدولة بشکل أساسی ، فأمست الدولة تحت رحمة المناوئین لها و المتفذلکین من أنصاف المثقفین ، ولم یکن نصیب الشعراء أقل من ذلک بل کان لهم نصیبا کبیرا فی فهمه فخلدوه فی اشعارهم ومن هنا لقی أنصاف المثقفین هؤلاء الأرضیة الممهدة لنشر أفکارهم للعامة بل عملوا على تغذیتها من خلال الشعراء وکان احد هؤلاء الشعراء بشار بن برد الشاعر الضریر الذی استهوته هذه الحرکات وکانت السبب للقضاء علیه .. فمن هو شاعرنا؟؟؟؟


هو بشاربن برد بن یرجوخ ولد فی البصرة لأوائل العقد العاشر من القرن الأولى للهجرة  وجده یرجوخ من طخارستان ممن سباهم المهلب بن أبی صقرة والی خراسان لسنة (79-81هـ) لذا نشأ ابنه برد للعبودیة وکان أولا فی عداد رقیق خیرة القشریة أمرأة المهلب ثم وهبته لامرأة من بنی عقیل ولم تلبث العقیلیة أن أعتقته وبذلک عد هو وأبنه فی موالی بنی عقیل وقد نسب نفسه من جهة أمه الى الروم إذ قال :

 

 وقیصر خالی إذا         عددت  یوما  نسبی

 

إذا کان فارسی من جهة الاب ورومی من جهة الأم وقد ولد وهو أعمى فما نظر الى الدنیا قط حیث قیل عنه :

 

عمیت جنینا والذکاء من العمى          فجئت عجیب الظن للعلم موئلا

 

وکان أبوه یضرب اللبن أی الطین للإعاشة معیشة تقوم على الشظف وکان له أخوان بشر وبشیر وکانا قصابین یبیعان اللحم ولم یکونا سویین أی کان أحدهما أعرج والآخر أبتر .

وحددت عاهته مسار حیاته فکان یتردد على المساجد منذ نعومة اظفاره ، وأیضا کان یتردد على مربد البصرة فقد کان طلق اللسان منذ کان فی العاشرة من عمره وأعانته نشأته فی بنی عقیل على أن یتمثل بالسلیقة العربیة . کان الهجاء فی ذلک الوقت على أشده لیس بین الفرزدق وجریر بل أن الشعر کان یکاد لا یخلو من الهجاء ، حتى کانت سمة الشعر فی ذلک الوقت الهجاء ، فکان طبیعیا أن أول قصائد الغلام هی فی الهجاء فکان ابوه یضربه لکثرة الشاکین من شعره حتى أقبلت أمه تستعطف الأب لیکف عنه فقال لها انی لأرحمه ولکنه یتعرض للناس فقال بشار له قل لهم ولیس على الأعمى حرج من کتاب الله العزیز وحین عادوا یرددون على برد شکواهم فتلى علیهم الآیه الکریمه انصرفوا وهم یقولون فقه برد أغیظ لنا من شعر بشار ، واشتد بشار فی الشعر وانکب على اتقان اللغة العربیة فیمم نحو البادیة فأقام فیها فترة أعطته فقهً فی اللغة ولساناً عربیاً فصیحاً .

عاد إلى البصره یکثر من مجالسة الشعراء وحلقات المتکلمین ویکثر من قصائد المدیح ومن أقدم مدائحه ما نظمه فی عبد الله بن عمر بن عبد العزیز والی العراق لسنة 126 هجریة ولما خطب واصل بن عطاء على رأس المعتزله بین یدی الوالی مع بعض الخطباء أشاد به و انعقدت بینهما صلة وثیقة حیث کان یحضر مجالسه ویستمع الى محاوراته مع من یعتنقون مذاهب الثنویة المجوسیة والدهریة الهندیة ، من هنا دخلت الفلسفة مدخل الجد فی شعر بشار حتى أدت الى فساد العلاقة بینه وبین واصل حیث أخذ یشید بالنار ویفضل إبلیس کمذهب فلسفی أکثر منه دینی ، فهو یفضل إبلیس الذی خلق من نار على آدم الذی خلق من طین ، فأدى ذلک الى القطیعة بینه وبین واصل وخصوصا عندما یعلن عدم إیمانه بالجنه والنار ولا بالبعث ولا بالحساب ویحاول أن یثیر الغبار بینه وبین واصل والمعتزله وکان لغزله الصریح الحجة لطرده من البصرة بأنه کان خطرا على شباب البصرة ونسائها فهتف واصل ببعض خطبه الواعظة داعیا الى قتله ( أما لهذا الأعمى الملحد المشنف المکنى بابی معاذ من یقتله ) وتعاون واصل مع المعتزلة مثل عمرو بن عبیدة على إخراج بشار من البصرة وقتله فکان أن خاف بشار وهرب من البصرة وذهب الى واسط فاستقبل استقبالاً حافلاً حتى جاءت رایات العباسیین سنة131هـ من خراسان وطوحت ببنی أمیة فکان نجم خالد بن برمک آخذ فی التألق إذ استوزره المنصور ثم ولاه فارس فوفد الیه بشار یمدحه وخالد یجزل له العطاء ویحس بشار بعمق بإقبال الدنیا علیه وبالفوز بعد الفقر .

 

یعود الى البصرة بعد وفاة عمرو بن عبیدة ولایکاد العام أن ینصرم حتى یثور العلویون بزعامة ابراهیم بن عبد الله سنة145هـ فیمدحه شاعرنا أیما مدح وسرعان ما یخیب فأله إذ یعمد المنصور الى قمع الثورة فینتقل بشار الى الغزل الصریح الذی أججته حالته الجسدیة فهو لا یرى الجمال بل یحسه عن طریق اللمس، فیعتبر غزله من الغزل المفضوح وخصوصا أنه کان ذمیم الخلقة أعمى البصر ینزل اللحم الاحمر على عینه فکانت النساء یمتنعن عنه على الرغم من أنهن کان یغنین شعره فی أکثر الأحیان .

 

ویتوفى المنصور سنة158هـ ویخلفه المهدی فیذهب الیه للحصول على جوائزه بعد أن کانت له مآثر مع المنصور إذ هجاه لأکثر من مره فقال:

 

أبا جعفر ما طول العیش بدائـم       ولا سالم عما قیل بســـــــــــالمِ

على الملک الجبار یقتحم الردى       ویصرعه فی المأزق المتلاحمِ

 

فقدم الى بغداد یستعطف القادة لیذکروه لدى المهدی فذکره روح بن حاتم فقد کان یصبو لیکون من ممدوحیه فأمر المهدی بإحضاره فما کاد بشار أن یفرغ من مدحه حتى وصله 10000 درهم ووهب له عبدا وقینة أی جاریة وخلع علیه خلعا کثیرة وجعله من سماره وممن یحضرون مجالسه . إلا ان المهدی کان له شدة فی شؤون الدین ووصله أن بشار ممن یعمدون الى افساد الشباب بغزلهم المفضوح فمنعه وقد قال ذلک فی شعره فکف بشار من الغزل على مضض الا انه لا ینفک حتى یعود الى الغزل حتى ترامت للمهدی أخباره فمنع عنه جائزته وکان المهدی عمد الى محاربة الزنادقة والقضاء علیهم فلزم بشار البصرة إشفاقا على نفسه وأخذ یرثی أصحابه ممن قتلهم المهدی ویهجو المهدی ووزیره یعقوب بن داوود حتى قدم المهدی الى البصرة سنة 168هـ فیشهد شهود موثوقون بأن بشار من الزنادقة، حینئذ یضرب حتى الموت ویرمى به فی البطیحة فیأتی أهله وبعض أصحابه فیدفنوه .

أخبار بشار فی أسرته قلیلة فیذکر أنه کان له امرأة تدعى أمامه وهو یذکر أطفاله الصغار فی أشعاره حیث دفن ابن له اسمه محمد وأبنة له صغیرة وکانت له جاریة أسمها ربابة وجاریة اخرى سوداء ذکرها فی شعره فلم یتبعه فی جنازته سواها .

لم یکن بشار بسیطاً ولا ساذجاً بل کان معقدا فی طبیعته التی فرضها علیه الأصل والنشأة فقد کان من أصل فارسی فأخذ عنهم العناد والمزاج الحاد ونشأته کعبد ابن عبد وولادته کأعمى وفقر أسرته و اطلاعه على الفلسفات المترجمة من الکتب والتی تکتب عن الفلسفات المانویة وغیرها أوصلته لأن یکون غیر سوی بفلسفته بل یعمد الى الأخذ بظواهر الأمور وترک البواطن لیکشف عنها شعره الذی اتسم بالحداثة فهو من أول المحدثین بالشعر على الرغم من عدم مساسه بأصول اللغة والسمة العربیة فی شعره تضفی علیه البراعة والعبقریة فی إیصال الماضی بالحاضر ووصل الأمس بالغد والصور العربیة الموجودة لتجعل من شعره صور فوتوغرافیة لعصره والأیمان بحزمة أفکار لتکون سمة من سمات عصر إتصف بعدم الإنصاف من شدة الفقر وسیطرة دولة تجزی العطاء بغیر حساب فی مدح ملوکها و أسیادها وقادتها حتى أمست الأفکار الشغل الشاغل الذی ینصرف له العامة لنسیان ألم الفقر والجوع فی أصقاع البلاد ، من هنا ما انصرفنا فی کتابته لا یعیب شاعرنا بل یهدینا القدرة على فهمه ..